فيجعلون لأنفسهم حقّ التصرّف في تحديد العلاقة بينهم وبين ربّهم ، ويجعلون لأنفسهم السلطان المقدّم على سلطانه تعالى ومن ثمّ يجعلون أنفسهم أرباباً بدل أن يكونوا عبيداً له تعالى .
فمن ذلك يتبيّن أنّ الوثنية وشرك عبدة الأصنام ينطوي على الاستكبار والكفر الذي هو سنّه إبليس اللعين ، لا من جهة ضرورة أصل الواسطة والوسيلة ، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى : ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِير ) ( 1 ) ، وقال تعالى : ( أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ) ( 2 ) ، فالآيتان يشير مفادهما إلى أنّ المحذور ، وهو عدم الإذن وهو السلطان من الله في تعيين مصداق الواسطة والوسيلة ، لا كون المحذور في ضرورة الوسيلة . وكذا قوله تعالى على لسان إبراهيم الحنيف في محاجّته لعبدة الأصنام : ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( 3 ) ، وقوله تعالى : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ( 4 ) ، وقوله تعالى في مشركي قريش في معركة أحد : ( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ) ( 5 ) ، وقوله تعالى على لسان يوسف النبيّ ( عليه السلام ) : ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) ( 6 ) ، قابلت
هامش
( 1 ) سورة الحج 22 : 71 .
( 2 ) سورة الروم 30 : 35 .
( 3 ) سورة الأنعام 6 : 81 .
( 4 ) سورة الأعراف 7 : 33 .
( 5 ) سورة آل عمران 3 : 151 .
( 6 ) سورة يوسف 12 : 39 - 40 .