على وحي الكتاب بتمام حقائقه ومعرفة بطونه ، وقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) ( 1 ) ، فهو اطلاق على عطاء دار الآخرة لا عطاء دار الدنيا ، مضافاً إلى أنّ السياق يشهد بإرادة ذوي القربى .
وفي مقابل ذلك لم ينصّ القرآن على إعطاء فضل كبير وعظيم لأحد من الأنبياء غير الرسل ، كقوله تعالى حكاية عن سليمان : ( وَوَرِثَ سُلَيمانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيء إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) ( 2 ) ، فأطلق عليه أنّه فضل مبيّن ، أي ظاهر غير خفي ، ولم يصفه بالعظمة وكونه كبيراً .
وكذا قوله تعالى : ( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْض وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ) ( 3 ) ، وقوله تعالى : ( وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا
عَلَى الْعَالَمِينَ ) ( 4 ) ، وقوله تعالى على لسان داود وسليمان ( عليهما السلام ) : ( وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) ( 5 ) ، وقوله تعالى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً ) ( 6 ) .
ذكر الله تعالى الفضل بصورة التنكير ; للدلالة على أنّه نوع من الفضل ، ولم يوصف بالعظمة والكِبر . فمجموع هذه الشواهد دالّ على أنّ توريث الكتاب للمصطفين من هذه الأمّة هو توريث من سنخ الوحي بالقرآن ، أي لدنياً وإن لم يكن نبوّة ، وأنّ هذا الفضل قد خصّ بصيغة الكِبر والعظمة بخلاف الفضل الذي
هامش
( 1 ) سورة الشورى 42 : 22 - 23 .
( 2 ) سورة النمل 27 : 16 .
( 3 ) سورة الإسراء 17 : 55 .
( 4 ) سورة الأنعام 6 : 86 .
( 5 ) سورة النمل 27 : 15 .
( 6 ) سورة سبأ 34 : 10 .