تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ديوان السيد حيدر الحلي — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
سلام فتقت نور زهره صبا الحب ، وأعربت أنفاس نشره عن طي سريرة الصب ، ورقت ألفاظه حتى سرق النسيم طبعه من رقتها ، ونفحت بريا الاخلاص فقراته حتى استعار العبير المحض طيبه من نفحتها ، وما هي فقرات في الطروس قد وسمت ، بل روح محب أذابها الشوق ، وفي قالب الألفاظ تجسمت ، فلو نشق أرواح عرفها من غشيته سكرات الموت لصحا ، ولو سرح النظر في لؤلؤ ألفاظها ذو الطبع السليم لسحرت عقله وماس منها مرحا ، فحقيق أن أوشح خصور عرائسها الأنيقة ، بدر من ألفاظي التي تحتوي من المعاني على نفائسها ، الدقيقة : عرائس لفظ حكى مسكها * على الطرس أنفاس ريح الصبا رقاق كرقة قلب المحب * وخد الحبيب بعصر الصبا حكت في العذوبة أخلاق من * لها أهديت وإليها صبا من محب قطع قلبه الشوق الملح ، وترح به الغرام المبرح ، وحال من البعاد بينه وبين حبيبه ، ما أوقد في أحشائه سعير وجد إذا انحنت عليه أضلاعه تجافت من لهيبه ، وغودر جنباه من تلهب أنفاسه الحرار ، يرسل عليها شواظ من نار ، وكاد في تصاعد حريق زفرته ، يضرم الهوى نارا في كرته ، وحشدت جحافل الغرام في منحنى ضلوعه ، وانتجعت سفح عقيق دموعه ، فهي تستدر عينه دموعها في كل آن ، فتنبعث كأنهن الياقوت والمرجان ، وأوطنت الصبابة في غوير لبه ، وقوض السلو عن غضي قلبه ، وحال من مترادفات الأشجان ، بينها برزخ لا يبغيان ، وأوشك الفراق أن ينسف طود حلمه بريح عقيم ، ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم ، فلا يتناهي في تحرير نعت شوقه الكلام ، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ، إلى من حلقت به قدامي شرفه ، فقصر كل محلق عن شأو علاه التي أحرزها عن سلفه ، وتسنم غارب كل فخر ، ووطأ بأخمصه رقاب الأنجم الزهر ، وناصى برفيع مجده أعنان العلاء ، ورقي ذروتها بسلم شرفه المطل على الجوزاء ، ولطفت شمائله ، ولم يوجد في الكرم من يساجله ، وغذي بلبان العلياء إلى أن بحجرها نشأ ، وارتشف مدامة حبها إلى أن نشأ ، وطابت منه الخليقة ، فكانت مما قلت فيها خليقة : يا طيب أخلاق كريم روي * السامع منها ما روى المبصر بأنها أطيب من روضة * طينتها مازجها العنبر لو مزج الماء بها شارب * ما شك فيه أنه الكوثر ندب له في حلبات العلى * دون الأنام الورد والمصدر كأن من يأوي إلى بشره * من وحشة في روضة يحبر معارج العلياء مرصودة * ليس عليها غيره يظهر الفصيح الذي عقدت عليه الفصاحة حبك نطاقها ، والبليغ الذي مدت فوقه البلاغة رفيع رواقها ، والماجد الذي سمح الدهر بجوده ، فدل على نفي بخل الدهر واثبات وجوده ، وأحيا به روضة الأدب بعدما ذوت ، وأجد به ربوع الفضل بعدما عفت ، ورفع به سماء المجد بعد هبوطها ، وأقام به أعمدة السؤدد بعد سقوطها ، وأقر عيون السماح منه بإنسانها ، ووصل يمين المعروف منه ببنانها ، ونشر به جميع ما طوى من المحاسن العجيبة ، وأظهر فيه ما أخفي من بدايع الكمالات الغريبة ، فهو من أهل زمانه بمنزلة الروح من الجسد ، والواسطة من العقد المنضد ، فأكرم به من ماجد بهيج تعشو من ضوء صباح محياه نواظر الراثين إذا ملأت من نوره البصر ، وأعجب به من فطن تعشو في ظلام الاشكال إلى مصباح ذكاه بصائر ذي النظر ، الصفي الذي أخلصته نفسي من جميع ما ضمه الفضا ، ( الحاج محمد الرضا ) . لا زالت شمس إقباله طالعة في أعلى بروج المراتب ، وكوكب سعده ثاقبا في سماء شرفه التي يتمنى أن يحل فيها سعد الكواكب ، ولا برح طائر اليمن له مزجورا ، وروض مسرته غضا مونقا نضيرا ، بمحمد وآله المبرئين من الزلل ، وصحبه الذين ما لهم في التقى من مثل . أما بعد : فإني لم أزل للغرام فيك نديما ، وعلى الصبابة حيثما رحلت مقيما ، تذهب بي الأشواق كل مذهب ، وطرف عيني لم يزل في آفاق السماء مقلب ، فكان عيني قد جنت عن أغضائها ، وكلت بعد النجوم وإحصائها : أنا أحصى النجوم فيك ولكن * لذنوب الزمان ليس بمحصى غير أني كلما ألح على قلبي الجوى فأضناه ، روحته بذكراك فتنتعش بعد الضعف قواه ، وبينما أعلل نفسي بذكر الوصال ، وهي من شدة الشوق تتمثل بقول من قال : ولم أر مثلي قطع الشوق قلبه * على أنه يحكي قساوته الصخر إذ وردت منك إلي رسالة بديعة الكلام ، حسنة النسيج والانسجام ، قد افتتحت بزهر السلام روضة كلماتها ، وختمت بمسك الثناء عقود فقراتها ، فنشقت منها نسيم المودة حين نشرت لدي ، واقتطفت منها نور المحبة حين قرئت علي ، وهزني إليها الطرب ، وملكني منها العجب ، ولما استوقفت النظر فيها ، وأجلت الفكر في ألفاظها ومعانيها ، سكرت من ألفاظها ولا جام ، بمدامة معانيها ولا مدام ، فحينئذ ثنيت عطف ذي نشوة ، وذبت بها صبابة وصبوة ، لكني كلما فوقت سهام فكري لم أصب الغرض في تفويقها ، حين غلب علي الشك في تحقيقها ، أهي السلافة مزجت بالغيث الذي انسجم وانسكب ، أم ( المستظرف ) من أرواح الكتب ، أو زفت إلي دمية القصر ، أو يتيمة الدهر ، وجليت لي بين أنوار الربيع في المعاهد ، حالية بدر القلائد ، وغرر الفوائد ، فيا لها عرائس فكر أغرب مبتكرها وأبدع ، ولا لي ألفاظ أحسن ناثرها حين جانس بينها وسجع ، وجمع فيها فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني فسحر الألباب بيانها ، وألف بين الايجاز والاطناب فبهر العقول تلخيصها وتبيانها ، ووالى في سلك الطروس بين فرائد منظومها ومنثورها ، وقابل بين التدبيج والتطريز في وشي رياض سطورها ، قد ابتدأت برفع خبر الشوق عند الخليل ، وأنهت إليه الجزم في تمييزه فيما بنيت عليه من مضمر الحب وظاهر المدح الجليل ، وأنبأت فيما أكدت من الشوق أن لا بدل من الصب عند صبه ، وأن لا عوض عنه فيما نعتت من اشتغال قلب الحبيب بمحبه ، وان هوى الخليل مقصور على خليله في كل أحواله ، بالإضافة إلى الاستثناء في حذف عذاله ، وصرحت عن إلغاء مقالة الحساد ، واثبات ما راموا نفيه من المحبة والوداد ، فطفقت أكسوها من إستبرق المدائح بردا أحكم فكري نسجه ، وأحليها بعقود الثناء وإن لم تزد حسنها بهاء وبهجة : أطرسك أم خد عذراء بكر * وذا در لفظك أم لفظ در سحر غداة فضضت الختام * عنه كأن لفظه نفث سحر وشككني حسن تنميقه * أوشي بنانك أم وشي زهر فناهيك بها مبلغة أو غرت فأوجزت ، ومفصحة بما فيه لكل منطيق أعجزت ، قد حملت جزيل الحمد من مبادر لشكره ، إلى من تقدم إليه بمدح مجده وتنويه قدره ، فلله أبوك وأنت ، أتشكرني على مديح به إلى نفسي أحسنت ، لان النفس منا ومنكم في الحقيقة واحدة ، وإن كانت الأجساد متعددة متباعدة ، على أنكم في غنى عن جميع المدايح ، بما أحرزتم من المكارم والشرف الواضح ، وبنشر فخركم طبق مجدكم سائر الارجاء ، لا بما نشرت لكم من الثناء ألسن الشعراء ، غير أني كلما فكرت في نفسي ، لم أجد إلا المحبة الخالصة ، دعتك إلى شكر مدائحي التي هي بالنسبة إلى كمال شرفكم متناقصة ، فنسأل الله سبحانه وتعالى : أن يجعل عزكم ملازما للدوام ما بقي الدهر ، ويصل بالبقاء ما خلع عليكم من مطارف الوقار والفخر ، إنه على كل شئ قدير ، وبالإجابة . * * * 7 - هذه صورة ما كتبه حول قصيدة المرحوم عمه السيد مهدي السيد داود : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على أشرف أنبيائه محمد وآله الطيبين الطاهرين . أما بعد : فيقول الراجي عفو ربه الغني ( حيدر بن سليمان الحسيني ) إني لما جارى عمنا وسيدنا السيد مهدي السيد صالح القزويني ( 839 ) في قصيدة مدح إنسان عين الزمان ، وواحد الابدال والأعيان ، من حط عن أدنى مراقي علاه الفرقدان ، وأشرق في سماء فخره المشرقان ، زعيم الفضلاء الجحاجح ، الحاج محمد صالح ( كبه ) .
هامش
839 مر ذكره في باب المدائح .