سلام فتقت نور زهره صبا الحب ، وأعربت أنفاس نشره عن طي سريرة الصب ،
ورقت ألفاظه حتى سرق النسيم طبعه من رقتها ، ونفحت بريا الاخلاص فقراته حتى
استعار العبير المحض طيبه من نفحتها ، وما هي فقرات في الطروس قد وسمت ، بل روح
محب أذابها الشوق ، وفي قالب الألفاظ تجسمت ، فلو نشق أرواح عرفها من غشيته
سكرات الموت لصحا ، ولو سرح النظر في لؤلؤ ألفاظها ذو الطبع السليم لسحرت عقله
وماس منها مرحا ، فحقيق أن أوشح خصور عرائسها الأنيقة ، بدر من ألفاظي التي
تحتوي من المعاني على نفائسها ، الدقيقة :
عرائس لفظ حكى مسكها * على الطرس أنفاس ريح الصبا
رقاق كرقة قلب المحب * وخد الحبيب بعصر الصبا
حكت في العذوبة أخلاق من * لها أهديت وإليها صبا
من محب قطع قلبه الشوق الملح ، وترح به الغرام المبرح ، وحال من البعاد بينه
وبين حبيبه ، ما أوقد في أحشائه سعير وجد إذا انحنت عليه أضلاعه تجافت من لهيبه ،
وغودر جنباه من تلهب أنفاسه الحرار ، يرسل عليها شواظ من نار ، وكاد في تصاعد
حريق زفرته ، يضرم الهوى نارا في كرته ، وحشدت جحافل الغرام في منحنى ضلوعه ، وانتجعت
سفح عقيق دموعه ، فهي تستدر عينه دموعها في كل آن ، فتنبعث كأنهن الياقوت
والمرجان ، وأوطنت الصبابة في غوير لبه ، وقوض السلو عن غضي قلبه ، وحال من
مترادفات الأشجان ، بينها برزخ لا يبغيان ، وأوشك الفراق أن ينسف طود حلمه بريح
عقيم ، ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم ، فلا يتناهي في تحرير نعت شوقه
الكلام ، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ، إلى من حلقت به قدامي شرفه ، فقصر
كل محلق عن شأو علاه التي أحرزها عن سلفه ، وتسنم غارب كل فخر ، ووطأ بأخمصه
رقاب الأنجم الزهر ، وناصى برفيع مجده أعنان العلاء ، ورقي ذروتها بسلم شرفه المطل
على الجوزاء ، ولطفت شمائله ، ولم يوجد في الكرم من يساجله ، وغذي بلبان العلياء إلى
أن بحجرها نشأ ، وارتشف مدامة حبها إلى أن نشأ ، وطابت منه الخليقة ، فكانت مما قلت
فيها خليقة :
يا طيب أخلاق كريم روي * السامع منها ما روى المبصر
بأنها أطيب من روضة * طينتها مازجها العنبر
لو مزج الماء بها شارب * ما شك فيه أنه الكوثر
ندب له في حلبات العلى * دون الأنام الورد والمصدر
كأن من يأوي إلى بشره * من وحشة في روضة يحبر
معارج العلياء مرصودة * ليس عليها غيره يظهر
الفصيح الذي عقدت عليه الفصاحة حبك نطاقها ، والبليغ الذي مدت فوقه البلاغة رفيع
رواقها ، والماجد الذي سمح الدهر بجوده ، فدل على نفي بخل الدهر واثبات وجوده ، وأحيا
به روضة الأدب بعدما ذوت ، وأجد به ربوع الفضل بعدما عفت ، ورفع به سماء المجد بعد
هبوطها ، وأقام به أعمدة السؤدد بعد سقوطها ، وأقر عيون السماح منه بإنسانها ، ووصل
يمين المعروف منه ببنانها ، ونشر به جميع ما طوى من المحاسن العجيبة ، وأظهر فيه ما
أخفي من بدايع الكمالات الغريبة ، فهو من أهل زمانه بمنزلة الروح من الجسد ،
والواسطة من العقد المنضد ، فأكرم به من ماجد بهيج تعشو من ضوء صباح محياه نواظر
الراثين إذا ملأت من نوره البصر ، وأعجب به من فطن تعشو في ظلام الاشكال إلى مصباح
ذكاه بصائر ذي النظر ، الصفي الذي أخلصته نفسي من جميع ما ضمه الفضا ، ( الحاج
محمد الرضا ) . لا زالت شمس إقباله طالعة في أعلى بروج المراتب ، وكوكب سعده ثاقبا
في سماء شرفه التي يتمنى أن يحل فيها سعد الكواكب ، ولا برح طائر اليمن له
مزجورا ، وروض مسرته غضا مونقا نضيرا ، بمحمد وآله المبرئين من الزلل ، وصحبه الذين
ما لهم في التقى من مثل .
أما بعد : فإني لم أزل للغرام فيك نديما ، وعلى الصبابة حيثما رحلت مقيما ، تذهب بي
الأشواق كل مذهب ، وطرف عيني لم يزل في آفاق السماء مقلب ، فكان عيني قد جنت
عن أغضائها ، وكلت بعد النجوم وإحصائها :
أنا أحصى النجوم فيك ولكن * لذنوب الزمان ليس بمحصى
غير أني كلما ألح على قلبي الجوى فأضناه ، روحته بذكراك فتنتعش بعد الضعف قواه ،
وبينما أعلل نفسي بذكر الوصال ، وهي من شدة الشوق تتمثل بقول من قال :
ولم أر مثلي قطع الشوق قلبه * على أنه يحكي قساوته الصخر
إذ وردت منك إلي رسالة بديعة الكلام ، حسنة النسيج والانسجام ، قد افتتحت بزهر
السلام روضة كلماتها ، وختمت بمسك الثناء عقود فقراتها ، فنشقت منها نسيم المودة حين
نشرت لدي ، واقتطفت منها نور المحبة حين قرئت علي ، وهزني إليها الطرب ،
وملكني منها العجب ، ولما استوقفت النظر فيها ، وأجلت الفكر في ألفاظها ومعانيها ،
سكرت من ألفاظها ولا جام ، بمدامة معانيها ولا مدام ، فحينئذ ثنيت عطف ذي نشوة ،
وذبت بها صبابة وصبوة ، لكني كلما فوقت سهام فكري لم أصب الغرض في تفويقها ، حين
غلب علي الشك في تحقيقها ، أهي السلافة مزجت بالغيث الذي انسجم وانسكب ، أم
( المستظرف ) من أرواح الكتب ، أو زفت إلي دمية القصر ، أو يتيمة الدهر ، وجليت
لي بين أنوار الربيع في المعاهد ، حالية بدر القلائد ، وغرر الفوائد ، فيا لها عرائس
فكر أغرب مبتكرها وأبدع ، ولا لي ألفاظ أحسن ناثرها حين جانس بينها وسجع ، وجمع
فيها فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني فسحر الألباب بيانها ، وألف بين الايجاز
والاطناب فبهر العقول تلخيصها وتبيانها ، ووالى في سلك الطروس بين فرائد منظومها
ومنثورها ، وقابل بين التدبيج والتطريز في وشي رياض سطورها ، قد ابتدأت برفع خبر
الشوق عند الخليل ، وأنهت إليه الجزم في تمييزه فيما بنيت عليه من مضمر الحب وظاهر
المدح الجليل ، وأنبأت فيما أكدت من الشوق أن لا بدل من الصب عند صبه ، وأن لا
عوض عنه فيما نعتت من اشتغال قلب الحبيب بمحبه ، وان هوى الخليل مقصور على خليله
في كل أحواله ، بالإضافة إلى الاستثناء في حذف عذاله ، وصرحت عن إلغاء مقالة
الحساد ، واثبات ما راموا نفيه من المحبة والوداد ، فطفقت أكسوها من إستبرق المدائح
بردا أحكم فكري نسجه ، وأحليها بعقود الثناء وإن لم تزد حسنها بهاء وبهجة :
أطرسك أم خد عذراء بكر * وذا در لفظك أم لفظ در
سحر غداة فضضت الختام * عنه كأن لفظه نفث سحر
وشككني حسن تنميقه * أوشي بنانك أم وشي زهر
فناهيك بها مبلغة أو غرت فأوجزت ، ومفصحة بما فيه لكل منطيق أعجزت ، قد حملت
جزيل الحمد من مبادر لشكره ، إلى من تقدم إليه بمدح مجده وتنويه قدره ، فلله أبوك
وأنت ، أتشكرني على مديح به إلى نفسي أحسنت ، لان النفس منا ومنكم في الحقيقة
واحدة ، وإن كانت الأجساد متعددة متباعدة ، على أنكم في غنى عن جميع المدايح ، بما
أحرزتم من المكارم والشرف الواضح ، وبنشر فخركم طبق مجدكم سائر الارجاء ، لا بما نشرت
لكم من الثناء ألسن الشعراء ، غير أني كلما فكرت في نفسي ، لم أجد إلا المحبة
الخالصة ، دعتك إلى شكر مدائحي التي هي بالنسبة إلى كمال شرفكم متناقصة ، فنسأل
الله سبحانه وتعالى : أن يجعل عزكم ملازما للدوام ما بقي الدهر ، ويصل بالبقاء ما
خلع عليكم من مطارف الوقار والفخر ، إنه على كل شئ قدير ، وبالإجابة .
* * *
7 - هذه صورة ما كتبه حول قصيدة المرحوم عمه السيد مهدي السيد داود :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على أشرف أنبيائه محمد وآله الطيبين الطاهرين .
أما بعد : فيقول الراجي عفو ربه الغني ( حيدر بن سليمان الحسيني ) إني لما جارى
عمنا وسيدنا السيد مهدي السيد صالح القزويني ( 839 ) في قصيدة مدح إنسان عين الزمان ،
وواحد الابدال والأعيان ، من حط عن أدنى مراقي علاه الفرقدان ، وأشرق في سماء فخره
المشرقان ، زعيم الفضلاء الجحاجح ، الحاج محمد صالح ( كبه ) .
هامش
839 مر ذكره في باب المدائح .