4 - وقال وقد كتب بها إليه جوابا على كتاب أرسله أيضا :
في فمي لم يزل لذكرك نشر * طيب واختبر بذاك النسيما
وبمرآة فكرتي لم يزل شخصك * نصب العينين مني مقيما
وعلى النحر من علاك ثنائي * ليس ينفك عقده منظوما
لا تظن البعاد يحجب عني * منك ذيالك المحيا الكريما
أنت عندي بالذكر أحضر من قلبي * بقلبي فكن بذاك عليما
لست أقوى لحمل عتبك يا من * حملت فخره المعالي قديما
فاثن عن غرب عتبك اليوم عني * فيه قد تركت قلبي كليما
إني ومن جعلك ريحانة الأديب ، وسلوة الغريب ، لم استوجب منك هذا العتاب ، ولم
استجلب بمساءة كل هذا الخطاب ، فهبني أسأت فأين العفو والكرم ، ولعمري لقد تجرمت
علي ولا جرم ، إني اعتذر الان فأقول : إن هبت من ذلك الجناب نسمات القبول ، ما
حلت أزرار جيبها الصبا ، ولا فتحت أكمام النور على الربى ، عن أطيب من تسليمات
كأنما تحدثت بها أرواح النسيم فعطرت أنفاسها ، وعن أبهى من تحيات كأنما باهت بها
الرواة أنواع الربيع فغطت خجلا بالأكمام رأسها ، ولا ملاطفة غادة كعاب ، لم تعرف
إلا العطر والخضاب ، بأوقع في النفس ، واشغل للحواس الخمس ، من بديع بيان ، كله قطع
جنان ، يجلو بواضح الاعتذار ظلمة العتب ، ويمحو بصادق التنصل كاذب الذنب ، من محب صدع
التقريع منه الأحشاء ، وأرمضت قلبه هواجس الاستجفاء ، إلى من حنوت عليه ولا حنو
المرضعات على الغرام ، وغذوت له الحب ولا غذاء الاباء طرائف الهيام ، حتى شب
وليد شوقي إليه على الشغف ، ونشأ طفل ولعي به في حجر الصبابة والكلف ، حتى سكنت نفسي
إلى هواه ، سكون الجفن الساهر إلى كراه ، وعقدت خنصر التعويل عليه ، حين توسمت عنوان
النهى بين عينيه ، وسبرت في مباديه ، وتفرست في معانيه ، لاعلم أين يكون موقعه من
فخر أبيه ، فرأيت الخير كله فيه بعد أخيه ، حيث أنبأتني شمائله ، وبشرتني مخائله ، أنه
سيكون إنسان تلك المقلة ، وطراز تلك الحلة ، ولا عجب ، والامر ليس بمستغرب ، ممن
ترشحه معالي هممه ، وتؤهله محاسن أخلاقه وكرائم شيمة ، لمعارف أبيه وعوارف كرمه ، أن
يتشح ببردة فخره ، ويتوشح بمناقبه بين أبناء دهره ، ولعمري لئن حكت أخلاقه خلائقه ،
ووصفت مخاثله بوارقه ، ففي الشبل من ابن الغيل شمائل ، وعلى ابن ذكاء من الغزالة
دلائل ، والفئ ناشي من الظل ، والفرع مبني على الأصل ، وذكاء النبت بقدر ذكاء
تربه ، والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ، وهذه الصلصالة من ذلك الطين ، وهذه
السلسالة من ذلك الماء المعين ، قد استهل معه سعده ، حين ولد مجده :
عف السريرة طاهر * الأبراد معصوم البصيرة
يقتدي به مشايخ الحزم في عنفوان شبيبته ، وتعرف الإصابة كلما رمت عن قسي رويته ،
زاده الله عليهم في الحزم بسطة ، وجعل له في الكرم أنامل سبطه ، قد مشى في ديار
التجارب فجاس خلالها ، وقاس بفتره أشبار الكرماء فطالها ، يضرب بعرقي نسبه ، ويمت
بطرفي حسبه ، إلى أبوين لا يجاريان شرفا ، أب مرتضى وأب مصطفى ، قد صعد الذروة من
هاشم ، واقتعد الصهوة من مجد قبيلة المكارم ، فهو من أهل - قل لا أسألكم عليه أجرا
- ، ومن أسرة جعلوا الانفاق لوجه الله ذخيرة وذخرا ، ليس على ( الزوراء ) وباهر
نداها ، أسرة للشرف الواضح سواها ، بل ولا على فقارة جميع ظهر الأرض ، عترة غيرها
للكرم المحض ، قبيلة صورها الله من طينة المعروف والاحسان ، وحدرها من صلب
الشرف الأقدم على اولي الزمان ، وأقرها في أرحام النجابة ، وأولدها في رباع السماحة
والمثابة ، ولفعها بأبهى مطارف الحمد ، ورباها في حجر السؤدد والمجد ، وأرضعها لبان
العلياء ، وفطمها إلا عن رضاع الحمد والثناء ، وجعل بها سماحة البحر الذي لا يخاض
في عبابه ، وأبرزها بهيبة الهزبر الذي لا يواجه في غابه ، وكفى طيب أصلها ابانه ،
ان في حدائق أحسابها ذلك الحبيب أطيب ريحانه ، أعني به جوهرة الزمن ، وغرة وجهه
( الحسن ) ، أنمى الله غصن شبيبته على الفضائل ، وشد أزر المعروف من عطائه بواصل ،
وأرسى قواعد مجده على إلابد تخليدا ، وورد بمكانه من حسان الآداب خدودها توريدا ،
وأقر نواظرنا وناظره ، بشفاء أبيه الذي عقد على الكرم مآزره ، مولى أهل الفضل من
بوارقه ، وزهرة من حدائقه ، وأهل البذل قطرة من أمطاره ، وغرفة من بحاره :
فله أياد لا تزال * سماؤها كرما مخيله
ونقيبة ما غيرت * في الجود عادتها الجميلة
ويد كضرع الغيث * يمخضها الرجا مخض الثميلة
أما بعد : فحين وصلت إلي عقيلة فكرك ، وجميلة نظامك ونثرك ، طرحت عنها الإزار ،
وحللت من غلالتها الأزرار ، ثم قبلت منها فتاتا تزري بفتات المسك بخلوقها ،
وبابنة العنقود في راووقها ، فشفت بعذب كلامها غلة صدري ، ونفثت بسحر بيانها في عقد
صبري ، قد نشرت لدي حديث واصل ، ثم بسطت علي لسان عاذل ، فأباتني تأنيبها مبيت
نابغي ، وقلبني توبيخها في مضجع ابن هاني المغربي ، بل كلما ضرب الليل على الأفق
رواقه ، وعقد على الشفق أزراره ونطاقه ، أمسي وهمومي القارعة ، وأفلاذ كبدي الواقعة ،
وفاتحة الرعد سائغ ريقي ، وخاتمة الاعلى في شرايين أوردتي ووشائج عروقي ، وآراثي في
الشعراء ، وأحشائي ما جعله الخليل في وسط الأنبياء ، تقريبا بلا استثناء ، وكلما فلق
الصبح بعموده هامة الغسق ، وشهر خاضبا من وريد الظلام سيفه الشفق ، أصبح ولسان
حالي ، يترجم عن لسان مقالي ، إذا رأيت قوما ، إني نذرت للرحمن صوما ، فواعجباه
والدهر سلك عجائب ، والأيام مثرية من الغرائب ، كيف ينصرف إلي وهم ، أو يتصور في خيال
أخي فهم ، إني في تياك المودة أشقى ، بعدما تمسكت منها بالعروة الوثقى ، لا
وعافاك الله من العلل ، وبلغك منتهى المجد وقد فعل ، لا يلهو عن تلك المحبة
عميدها ، ولا يخلق على تعاقب الليالي والأيام جديدها ، وليت شعري اعتاض عنك ، بأي
بدل منك ، ولمن أربي مولود الوفاء ، ولمن أزف عروس الاخلاص والصفاء ، وملتمس
الثقة ، لايداع المقه ، كالمرتبع بواد غير زرع ، والمنتج في بوار خالبة اللمع ،
والمغترف من السراب الخادع ، والقابض على الماء خانته فروج الأصابع ، فهم ومن جعلك
جوهرة الزمن ، حريون بقول المهيار أبي الحسن :
خلق إذا حدثت عن أخلاقها * فكأنما كشفت عن سوءاتها
وأما وعليا أبيك ، وخلاله الصالحة التي اجتمعت في أخيك وفيك ، وسماء مجده التي أنتما
قمراها ، وعبقات فخره التي ينفح عطفا كما برياها ، لأنت على بعدك ، يا نسيج وحدك ،
ثاني النفس لدي ، وثالث عيني ، بل أعز منهما علي ، وما تركت المواجهة ، رغبة
عن المشافهة ، ولا المراسلة ، رغبة عن المواصلة ، كلا بل لعوائق طارية ، وشواغل غير
متناهية ، تلهي الحليم عن نفسه ، وتنسيه يومه فضلا عن أمسه ، ولولاها :
لنثرت حبات القلوب ألوكة * ونظمتها شوقا إليك قريضا
* * *
5 - وكتب إلى الحاج محمد رضا كبه بهذه الرسالة وصدرها بهذه الأبيات :
أغض النسيم تحمل سلامي * فحي برياه ( دار السلام )
سلام محب غريق الوداد * غريق الفؤاد ببحر الغرام
يميت بشوق بياض النهار * ويحيي بشوق سواد الظلام
وتهفو نوازع أشواقه * بلب حشاشته المستهام
يطالع بالفكر وجه الحبيب * فيحظي برؤية بدر التمام
حبيب أروح قلبي العليل * من ذكره بنسيم المدام
وشوقي إلى در ألفاظه * كشوق الرياض لدر الغمام
ممن سكن روحه بمحاني ( الزوراء ) ، وأقام جسمه بمغاني ( الفيحاء ) ، إقامة المغترب عن
وطنه ، اللابث في غير عطنه ، لا يملك على الخفوق ، أثناء قلبه المشوق ، ولا يلقي سمعه
إلى نديم ، ولو كان أفصح الأنام ، ولا يرتاح إلى مفاكهة ولو كان من ولدان النعيم ،
عبق الكلام ، ولا ينظر إلا بعين انسية الأجفان ، وحشية الانسان ، قد عرفت آماقها
الأرق ، وأنكرت أحداقها الرفق ، لم تفتح على أناس بصرها ، إلا استوحشت عنه
فغضت عنهم نظرها :
أتأنس في فتح أجفانها * عيوني في غير إنسانها
ويخلص يوما لنفسي السرور * إذا وصلت غير خلصانها
إذا كذبت بادعاء الوداد * نفسي وما الكذب من شانها
نعم عندها الغدر بعد الوفاء * هو الكفر من بعد ايمانها
على أنني لم أبرح مسائي وصباحي ، وغدوي ورواحي ، وعشيتي وأبكاري ، وأصيلي وأسحاري ،
حرج الصدر ، متشعب الفكر ، ملوي الحشاشة على حسرات متعالية ، طوى الجوانح على
زفرات إلى التراقي متراقية ، من لوعة غير ماضية ، أقتل من ماضية الحد ، وصبابة
كأنها جمرة ذاكية الوقد ، فإذا غشيني الدجى بغياهبه ، ورقدت الورى أحصيت عدد
كواكبه ، بعين ابن شوق نسيت أجفانه الكرى ، وإذا نضا الليل عني ثياب ظلمائه ،
وألبسني النهار جلباب ضيائه ، أقبلت على نفسي أعللها بوشيك التداني ، واسلي غلة
شوقها بسراب الأماني ، فتذم من أمسها ما استدبرت ، وتحمد من يومها ما استقبلت ،
حتى يأكل فم الغروب قرص الشمس ، ولم تحصل من الرجاء إلا على اليأس ، ولما لم يبق
لي في قوس الأماني منزع ، ولا في مطمعات الأماني مطمع ، سبرت بعين البصيرة والعقل ،
مذاهب طرق الوصل ، فوجدتها على ثلاثة أنحاء ، بين أهل المودة والإخاء ، إما بمشاهدة
العيان على القرب ، أو حضور الحبيب في مهجة المحب ، أو بث الشوق إليه والوجد ،
بالمراسلة على البعد ، فألفيت أولها مستحيلا ، بعد أن طلبته بكرة وأصيلا . وأما
الثاني فما عداني وحين وصلت بالنظر إلى طريقها الثالث ، وقطعت عن أولها قرينة
البواعث ، وجدت نفسي مقصرة في عدم إتيانه لاقتدارها عليه مع شدة إمكانه ، فلم
أزل أوبخها في ذلك وألومها وأعذلها والندم فيما هناك نديمها ، إلى أن تمنت من شدة
الخجل ، لو سبق السيف إليها ذلك العذل ، وقد أخرسها الذنب ، وأفحمها العتب ، لأنها
قطعت لسان عذرها ، في شبات هجرها ، حيث أنها وإن طلبت من أنواع المواصلة أطيبها ،
وأكملها لذة وأعذبها ، إلا أن مالا يدرك جله لا يترك أقله ، ولكن منها هذه
الزلة ، صدرت بعد ماجد شابه فرعه أصله ، ووصف طيب أخلاقه ، كريم أعراقه ، ولذا
نهضت بعد كبوتها ، بأذيال هفوتها ، وسلكت إلى المواصلة ، بطريق المراسلة ، وإلى
المخاطبة ، بالمكاتبة ، ولم تزل تمحض غزير درها ، وتمخض ثميلة فكرها ، حتى استخلصت
زبدة سلام رائقه ، يستعذب بها حتى من لم تكن له ذائقة ، لو ضوعت في لهاة من حشرجت
من الموت نفسه لا انساغت بفيه ، أو تنفست أرواحها على بدنه لقرت الروح فيه :
فما روضة مرشوقة عن عبيرها * تحدثن أنفاس الصبا والجنائب
بأطيب عرفا من سلام بنشره * يعطر فاه كل راو وخاطب
ترفعه عوامل شوق تنازعت جلدي ، وجلبت السقم في تصرفها إلى كبدي ، فنسخت جميل
صبري ، وأطالت اشتغال فكري ، إلى من نصب الله على التمييز علم فخره ، فانخفضت
بالإضافة إلى عزه جميع أبناء دهره ، وجزمت بنو الدنيا أنه في السماحة البحر
المحيط ، إذا بسط لها بالعطاء كفا استغرق وافر جودها ما حوته دائرة البسيط ، فأقال به
من كبوة الجد عثارها ، حتى سلمت له بالفضل اقرارها ، فهو في أصله الذي عرقت به
العلياء ، كما قلت فيه مخاطبا له بهذا الثناء :
يا أمجد الناس فرعا * ينمي لأكرم أصل ( 837 )
هامش
837 تقدمت في باب المدائح .