شرح
ربما يناقش في ذلك : بان حكم العقل بذلك ان كان بلحاظ ان ترك شكر المنعم مظنة زوال النعمة ونزول النقمة فيدخل تحت قاعدة نفى الضرر المحتمل فليست قاعدة مستقلة ، والا فليس للعقل حكم إلزامي بمناط وجوب شكر المنعم .
وعلى تقدير وجوب شكر المنعم فإنما هو في الجملة لعدم ما يدل على وجوب كل ما هو شكر للمنعم وبالنسبة إلى كل منعم فلا ينفع الاستدلال به .
ولكن يجاب بان ترك شكر المنعم وان كان معرضا لزوال النعمة الا ان حكم العقل بقبحه ليس لدخوله تحت قاعدة نفي الضرر المحتمل بل هو مما يستقل به العقل ويرى ان ترك شكر المنعم الذي أعطاه أنواع النعم والمواهب بنفسه قبيح مستنكر خصوصا إذا كان في تركه الشكر ، كفران النعمة فتدبر .
والعقل وان كان لا يحكم بوجوب كل ما هو شكر للمنعم وانما يحكم بحسنه الا ان المقام من باب ما يجب فيه الشكر ، وذلك لان المكلف إذا رأى نعم اللَّه الظاهرة ومواهبه الباطنة غير المحدودة على شخص ، يخضع له ويحكم عقله بلزوم شكره تعالى بل يرى أن ترك شكره تعالى يؤدى إلى كفران النعمة . ومن الواضح ان قيام العبد بوظائف العبودية من أعظم مصاديق شكر المنعم . وقد أشرنا ان ذلك لا يخلو عن واحد من الثلاثة فتدبر واغتنم .
وان شئت مزيد توضيح فنقول فرق بين المناطين فان مناط حكم العقل بدفع الضرر فطري جبلي ليس مختصا بالعقلاء وذوي الألباب بل يعم سائر الحيوانات ضرورة ان الحيوان مهما أمكن يدفع عن نفسه الضرر الذي أحسّه أو احتمله .
ولم يكن حكم العقل هذا مبنيا على مسئلة التحسين والتقبيح العقليين بخلاف مناط حكم العقل بوجوب شكر المنعم فإنه غير فطري ويكون مختصا بذوي العقول ، ومبنيا على مسئلة التحسين والتقبيح العقليين .
فعلى هذا لا وجه لإرجاع حكم العقل بلزوم شكر المنعم إلى حكمه بلزوم دفع الضرر بدعوى انه ليس همّ العقل الا التحذر والاتقاء عن ضرر المخالفة والعقوبات