مجرد تحقق هذه الفضيلة غير تعديل القوى الثلاث بحيث يكون موجبا لاجتماع كل الفضائل النفسانيّة في الشخص ، وأمّا اجتناب الكبائر بحسب الأركان منضمّا إلى كفّ النّفس بحسب الجنان ، فلا يكون لازما خاصا لملكة العدالة الأخلاقية ، بل ربما ينشأ كما هو الغالب في المتدينين عن خوف نفساني من العقاب المترتب على ارتكاب الكبائر لا عن فضائل نفسانية تقتضي اجتنابها ، والخوف من العقاب بما هو ، ليس كمالا وفضيلة للنفس كما عليه أهله . وأمّا كون العدالة الشرعية مجرد الاجتناب عن الكبائر ، أو عن ملكة نفسانية ، أو مجرد الملكة مع عدم ملاحظة تأثيرها في الاجتناب عن كبيرة ، أو الإسلام مع عدم ظهور الفسق ، أو حسن الظاهر فقط ؟ ففيه وجوه بل أقوال . وعن بعض الأعلام ( 1 ) رجوع الثالث إلى الثاني ، لأنّ الملكة إن أخذت باعثة بالفعل كانت مساوقة للاجتناب عن ملكة ، وإن أخذت بنحو الاقتضاء لزم أن لا يكون مرتكب الكبيرة مع وجود الملكة فاسقا مع أنّه فاسق عندهم بلا شبهة . والجواب : إنّ أخذ الملكة مقتضية إنّما يضرّ لو تخلف عنها مقتضاها بسبب مغلوبيتها لقوة شهوانية ونحوها ، وأمّا إذا أخذت مقتضية مع عدم ارتكاب الكبيرة أصلا ، إمّا لعدم الابتلاء ، كما إذا بلغ صاحب الملكة قبل أن يبتلى في أول آن بلوغه بشيء حتى يجتنبه ، فإنّه بناء على القول بالملكة عادل ، لكونه ذا ملكة ولم يرتكب كبيرة ، وإمّا لعدم الارتكاب لا للملكة الرادعة وإن كانت فيه بل لحياء من الناس ونحوه ، فإنّه حقيقة ذو ملكة ولم يرتكب كبيرة أصلا ، فأخذ الملكة مقتضية والاقتصار عليها ينافي ما ذكر إذا تخلف مقتضاها عنها لا مطلقا ، فالمراد من الملكة المجردة هي الملكة المقتضية غير المغلوبة للقوة الشهوية
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 72
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص٧٢
هامش
( 1 ) هو المحقق الأنصاري ( قدس سرّه ) رسالته في العدالة ، راجع آخر المكاسب المطبوع : ص 326 .