مآل الأمر هنا إلى التسوية بين العالم والجاهل ، لقصور نظره عما وصل إليه غيره مما يوجب الفتوى بثبوت الحكم أو نفيه . ومن هنا تبيّن تعيّن الأعلم عقلا ، وإن لم نقل بأنّه أقرب إلى الواقع ، فان العقل إنّما يذعن بتعيّن التقليد على العامي شرعا ، حيث إنّه لا يقين ببراءة الذّمّة إلَّا بالاستناد إلى من له الحجة لو لم يتمكن من الاستناد إلى الحجة ، ورأي الأعلم وإن لم يعلم أنّه أقرب إلى الواقع لكنه أوفق بما قامت عليه الحجج الشرعية والعقلية ، ولا معنى للأوفقية بها إلَّا بلوغ نظره إلى ما لم يبلغ إليه نظر غيره ، فيكون بالإضافة إلى القاصر نظره كالعالم بالإضافة إلى الجاهل ، فيكون متعينا في مقام إبراء الذّمّة ، لا لقصور العقل عن الحكم ببراءة الذّمّة في تقليد العامي للمفضول ، كما قدّمناه في أول المسألة ، بل لإذعانه بمقتضى فرض الأعلمية وكون الملاك كون المجتهد ذا حجة على الحكم بأنّ رأيه أوفق بمقتضيات الحجج حقيقة ، فالتسوية بينه وبين غيره تسوية بين العالم والجاهل ، فتدبّر جيّدا . وقد استدل لجواز الرجوع إلى المفضول مع وجود الأفضل بالإطلاقات ، كقوله عليه السلام : « فإنهم حجّتي عليكم » ( 1 ) ، وقوله عليه السلام : « اعتمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبنا كثير القدم في أمرنا » ( 2 ) ، وقوله عليه السلام : « وأمّا من كان من الفقهاء - إلى قوله عليه السلام : - فللعوام أن يقلَّدوه » ( 3 ) ، وقوله عليه السلام : « انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا » ( 4 ) ، وقوله عليه السلام : « انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا » ( 5 ) إلى غير ذلك
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 55
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص٥٥
هامش
( 1 ) الوسائل : ج 18 ، باب 11 من أبواب صفات القاضي ، ح 9 و 45 .
( 2 ) الوسائل : ج 18 ، باب 11 من أبواب صفات القاضي ، ح 9 و 45 .
( 3 ) الوسائل : ج 18 ، باب 10 من أبواب صفات القاضي ، ح 20 .
( 4 ) الوسائل : ج 18 ، باب 11 من أبواب صفات القاضي ، ح 1 ، بتفاوت يسير .
( 5 ) الوسائل : ج 18 ، باب 1 من أبواب صفات القاضي ، ح 5 .