الأوّل لا مجال إلَّا للاشتداد ، وعلى الثاني لا مجال إلَّا لإنشاء حكم آخر . لكن حيث إنّ تعلَّق حكمين بموضوع واحد محال ، فلا بدّ من سقوط أحد الخطابين . لكنّك قد عرفت حال الحكمين في المتزاحمين هنا من حيث جريان البراءة فيهما ، هذا كلَّه على الموضوعية . وأمّا على الطريقيّة : فإن كان الشكّ في ترتّب العقاب على محتمل التعيّن بالخصوص ، فأدلة البراءة عقلا ونقلا مجدية في دفعه . وإن كان الشك في جواز الاقتصار على طرف محتمل التعيّن ، فقد مرّ مرارا أنّه ما لم يحرز كون الشيء مبرئا للذمّة ومسقطا لعقاب الواقع لا يجوز الاقتصار عليه عقلا ، وقد مرّ أيضا أنّ جريان البراءة في محتمل التعيّن لا يوجب كون الآخر مبرئا للذمّة بوجه ، إلَّا بتوهّم أنّ الواقع لو كان في مؤدّى مشكوك الحجيّة فقد أتى به ، وإن كان في محتمل التعيّن فقد جرت فيه أدلَّة البراءة الرافعة لعقابه ، وإن كان خارجا عنهما فلا منجّز له حتى يعاقب عليه . ودفعناه فيما تقدّم بأنّ الواقع منجّز على أي حال بسبب العلم الإجمالي بالأحكام ، فيجب عقلا إمّا إتيانه أو إتيان ما جعل امتثالا له ومبرئا للذمّة عنه ، والمقتصر على مشكوك الحجّية لم يأت بالواقع ولا بما يسقط عقاب الواقع ، فراجع . فلا مناص حينئذ من إثبات كونه مبرئا للذمة بالفعل باستصحاب كونه مبرئا للذمة من أوّل الأمر . فيكون معلوم الحجية شرعا في ثاني الحال كالآخر . ومنها : لزوم المخالفة القطعية ، فإنا لو فرضنا أنّه قلَّد في صلاة الظهر مثلا من يقول بتعيين القصر في أربعة فراسخ ، وفي صلاة العصر من قال بتعيين التمام ، فيقطع بعد الصلاتين بأنّه مطلوب في الواقع بإحدى الصلاتين ، فيجب عليه إمّا فعلهما احتياطا أو فعل واحدة منهما مرددة . هكذا في رسالة الاجتهاد والتقليد لشيخنا العلَّامة الأنصاري ( قدّس سرّه ) ( 1 ) وغرضه ( قدّس سرّه ) مما ذكره في
بحوث في الأصول ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 158
مساهمون: الشيخ محمد حسين الاصفهاني
ص١٥٨
هامش
( 1 ) مجموعة رسائل : ص 88 .