شرح
وتوضيح ذلك : ان النقض يقابل الابرام ، والابرام في اللغة هو من البرم والفتل ، وهو جعل الحبل ذا هيئة تماسكية تكون في اجزائه من اندماج بعضها ببعض بسبب فعل المبرم والفاتل للحبل ، فإن كان النقض هو الفتور الذي يكون في الحبل بعد ذهاب البرم والفتل عنه كان التقابل بينهما تقابل التضاد ، وان كان النقض هو اعدام البرم والفتل كان التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة ، ولا يكون من تقابل التضاد لان التضاد تقابل الامرين الوجوديين ، ولا يكون من تقابل السلب والايجاب ، لوضوح عدم ارتفاع تقابل السلب والايجاب عن أي شيء ، والنقض والابرام يرتفعان عمّا لا نقض له ولا ابرام . وعلى كل فالنقض والابرام الحقيقي هو ما يكون في مثل الحبل والغزل ، كما في قوله تعالى : [ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ] ( 1 ) والنقض والابرام بالنسبة إلى اليقين والمتيقن لا يصح اسنادهما بنحو الحقيقة ، وانما يصحّ بنحو المجاز ، وحيث إن الابرام ذاتية الإحكام فالاستعمال مجازاً لابد ان يكون بملاحظة الإحكام الملحوظ في اليقين باعتبار وثاقته وإحكامه بالذات ، لا في المتيقن وان كان فيه إحكام إلاّ ان إحكامه من جهة اليقين ، ولذا اسند النقض في القضية في قوله عليه السّلام ولا ينقض اليقين بالشك . ووثاقة اليقين بما هو يقين لا يختلف الحال من جهة الشك فيه سواء كان من ناحية الرافع أو المقتضي .
والذي يدلك على أن الإحكام في المتيقن ليس هو الملحوظ في القضية ، هو انه لو كان الظن هو المتعلق لا يصح اسناد النقض ، وان كان متعلق الظن فيه إحكام . . . ويدلّ على ذلك أيضا انه من الاستعمال المناسب قولك نقضت البناء لما فيه من الإحكام ، ومن الاستعمال الركيك غير المناسب قولك نقضت الحجر من مكانه حيث يراد رفعه عن مكانه ، لان رفع الحجر انما يكون للهيئة المكانية التي هي من مقولة
هامش
( 1 ) النحل : الآية 92 .