شرح
والجواب عنه أولاً : ان كلمة ( من ) وان كانت للتبعيض الا انها ليست موضوعة للتبعيض بعنوانه : أي ليست موضوعة لمفهوم التبعيض بحيث يكون لفظ التبعيض ولفظ ( من ) من المترادفات ، بل هي موضوعة لمجرد اقتطاع مدخولها عن متعلقه ، وهذا المعنى يلائم كون المتعلق كليا ومن لاقتطاع بعض افراده عنه : أي ان ( من ) تدل على اقتطاع مدخولها الذي هو الفرد غير المستطاع من الكلي الشامل للمستطاع وغير المستطاع ، فيكون المراد من الرواية انه إذا أمرتكم بشيء الذي هو الكلي الشامل للمستطاع وغير المستطاع فاتوا منه الفرد المستطاع .
والحاصل : ان لفظ ( من ) موضوعة للاقتطاع من المتعلق الشامل لاقتطاع الاجزاء والافراد ، وهي وان كان يصح ان يراد منها التبعيض في المركب ، ويصح ان يراد منها الاقتطاع من الكلي ، ولكن بملاحظة المورد يكون المراد منها الاقتطاع من حيث الافراد لا الاجزاء .
وثانيا : لو سلّمنا انها موضوعة لخصوص التبعيض في الاجزاء ، الا ان المراد منها هنا هو التبعيض في الافراد ، بملاحظة مورد الرواية وذلك لما خطب صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال كتب عليكم الحج سأله السائل ان الحج قد كتب علينا في كل عام ، فأجابه صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد ان اعرض عن جوابه ثلاث مرات والسائل يكرر السؤال ، فأنّبه - أولا - رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بما حاصله : انه لو قلت في كل عام لكان يجب عليكم في كل عام وأنتم لا تستطيعون ذلك ، والمراد من عدم استطاعتهم انهم يصعب عليهم الاتيان بالحج في كل عام ، فيلزمه عادة ان لا يمتثلوا ، وإذا لم يمتثلوا للحج يكفرون . . . إلى آخر ما اشتملت عليه الرواية من التأنيب ، ثم قال له صلّى الله عليه وآله وسلّم : إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم ، ومن الواضح ان مورد الرواية - سؤالاً وجواباً - هو الكلي ذو الافراد ، لان السائل قد سأل عن لزوم تكرير الحج وعدمه ، وجواب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم انه إذا أمرتكم بشيء بذلك الكلي فاتوا منه : أي فاتوا من افراده ما استطعتم .