ثم لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم ، فيما يجب تحصيله عقلا لو أمكن ، لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه ، بل بعدم جوازه ، لما أشرنا إليه من أن الأمور الاعتقادية مع عدم القطع بها أمكن الاعتقاد بما هو واقعها والانقياد لها ، فلا إلجاء فيها
أصلا إلى التنزل إلى الظن فيما انسد فيه باب العلم ، بخلاف الفروع العملية ، كما لا يخفى ( 1 ) .
شرح
الله تستلزم الهداية ، ونفس البحث من الباحث هي المجاهدة في الله ، فكيف يمكن ان يبحث باحث ولم يصل ؟
وقد أجاب عنه أولاً : بان المراد من المجاهدة في الآية ليست البحث والاجتهاد ، بل المراد منها هي الجهاد ولكنه للنفس بقمعها عن رذايل الشهوات ، وتخليتها عن اتباع الهوى وإرغامها على فضايل العبادات وتحليتها بحلية الهدى ، فهي أجنبية عن المقام ، واليه أشار بقوله : ( ( هو المجاهدة مع النفس . . . إلى آخر الجملة ) ) أي ان المراد من الذين جاهدوا هم أهل المجاهدة مع النفس لا أهل البحث والاجتهاد .
وثانيا : ما يظهر من طي كلماته ، وهو انه لو سلّمنا ان المراد من المجاهدة هي البحث والاجتهاد ، ولكنها لا تستلزم اهداء هذا المقصّر ، لان المجاهدة في الله هي البحث عن الحق لأجل الحق لا البحث لاعطاء طريقة أهله صبغة الحق على كل حال ، واليه أشار بقوله : ( ( فإنه غالبا بصدد اثبات ان ما وجد آباءه عليه هو الحق لا بصدد الحق ) ) ومثل هذا الباحث يكون مقصّرا غير معذورا ، ولذا قال ( قدس سره ) : ( ( فيكون مقصّرا . . . إلى آخر الجملة ) ) .
وقد ظهر انه بناءاً على أن المراد بالمجاهدة هي جهاد النفس لا ما يشمل لزوم اعطاء الهداية للباحث ، ولو فيما إذا كان باحثا عن الحق لأجل الحق ، وعليه فالفرق بين الباحث لأجل الحق والباحث لحبّ طريقة الآباء ، هو ان الأول إذا لم يصل إلى الحق كان معذورا وله حكم الجاهل القاصر ، والثاني لا يكون معذورا ويستحق العقاب .