الترك ليس من أجزاء الوجوب ومقوماته ، بل من خواصه ولوازمه ، بمعنى أنه لو التفت الآمر إلى الترك لما كان راضيا به لا محالة ، وكان يبغضه البتة ( 1 ) .
شرح
( 1 ) هذا الأمر الثالث لبيان ان اقتضاء الامر بالشيء للنهي عن تركه المعبر عنه في اصطلاحهم بالضد العام باي نحو من أنحاء الاقتضاء ، إمّا أصل الاقتضاء فلا كلام فيه لما سيجيء من أن النهي عن تركه اما ملازم له أو متحد معه مصداقا .
ثم لا يخفى : انه قد مر ان الاقتضاء اما بنحو العينية المفهومية أو العينية المصداقية أو كونه جزء معناه فيقتضيه بالتضمن أو كونه أمراً ملازماً له فيقتضيه باللزوم . ولكن لم يتوهم أحد ان مفهوم الامر بالشيء عين مفهوم المنع عن تركه ، لوضوح عدم معقولية كون المفهوم الايجابي عين المفهوم السلبي ، ولذا لم يتعرض المصنف لدفعه وقد تعرض لعدم دلالته عليه بالتضمن وانه ليس بمتحد معه مصداقا فيتعين ان يكون ملازما له ، وسيأتي الإشارة منه إلى أن اللزوم بينهما من اللزوم البين بالمعنى الأعم لا من البين بالمعنى الأخص ولا من غير البين .
والحاصل : انه ذهب بعض إلى دلالته عليه بالتضمن لأنه جزء من معناه ، فإن حد الوجوب وتعريفه المشتمل على تمام ماهيته هو طلب الشيء مع المنع عن تركه ، فالمنع من الترك جزء معناه ودلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع له دلالة تضمنيّة .
والجواب عنه : يتضح ببيان حقيقة الوجوب ، فنقول : ان الطلب اما ان يكون هو الإرادة الأكيدة أو البعث والتحريك الاعتباري ، فإن كان هو الإرادة فيكون من مقولة الكيف النفساني ، ومن المعلوم في محله ان الاعراض بسايط خارجية ليست بمركبة من مادة وصورة ولا من جنس وفصل ، وان كان هو البعث والتحريك الاعتباري فالأمور الاعتبارية أشد بساطة من الاعراض ، لأن الأمور الاعتبارية من موجودات أفق الاعتبار وليست من موجودات عالم الخارج حتى يتوهم تركبها ، بل هي أمور قائمة باعتبار المعتبر لها فلا يعقل التركب في حقيقة الطلب .