كما لا يخفى
ثمّ إنّ ما استظهره دام ظلَّه الظَّاهر أنّه في كمال الاستقامة لعدم إطلاق للأخبار الواردة في الباب بالنّسبة إلى الفرض بحيث يطمئنّ به النّفس وتركن إليه وإن كان بعضها ظاهرا في النّظرة الأولى في الإطلاق مضافا إلى ما ذكره دام ظلَّه من تقدّم قضيّة التّعليل على قضيّة المعلول حيث إنّ المعلول عموما وخصوصا تابع بحكم العرف لعموم العلَّة وخصوصها كما هو ظاهر لمن له أدنى خبرة بالمحاورات العرفيّة
قوله : نعم لا فرق بين أن يكون المحتمل ترك الجزء إلخ
أقول : قد يستشكل فيما ذكره بأنّ ظاهر التّعليل هو عدم الاعتناء باحتمال عدم الإتيان بشيء من العمل غفلة أو نسيانا بالاحتمال عدم الإتيان بشيء منه عمدا لأنّ الأذكريّة حين العمل إنّما يصلح علَّة لإلقاء الاحتمال الأوّل لا الاحتمال الثّاني ولكنّك خبير بضعف هذا الإشكال وفساده لأنّ التّعليل في مقام اعتبار ظهور حال المسلم المريد للامتثال ولمّا كان هذا الظَّهور موقوفا على إحراز التّذكَّر وإلَّا فلا ظهور لحال المسلم في إتيانه بالعمل على وجهه وعدم تركه لما له دخل له من حيث إنّه ليس معصوما من الخطأ والنّسيان فلذا جعل العلَّة أذكريّة المكلَّف حين العمل فلا يترك إذا كان أذكر ما له دخل في صحّة عمله عمدا فمع ذلك كيف يمكن أن يقال إنّ التّعليل لا يدلّ على التّعميم وعدم الفرق وبالجملة فساد الإشكال المذكور ممّا لا يحتاج إلى البيان من جهة كمال وضوحه وظهوره
قوله : قد يجري أصالة إلخ
أقول : قد تقدّم الكلام في جريان هذا الأصل وأمثاله وأنّه مبنيّ على اعتبار الأصل المثبت مطلقا أو فيما إذا كانت الواسطة خفيّة على تقدير تسليم خفاء الواسطة في المقام وأنّه لا تعلَّق للأصل المذكور بالقاعدة أصلا وأنّه لا فرق في جريانه بين صور الشّك من حيث وقوعه قبل العمل أو في أثنائه أو بعده فراجع إليه
قوله : ولعلّ مبناه على إرادة الظَّن والاعتقاد إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه يمكن أن يبتني الاستدلال به على وجه آخر وهو أن يراد من القول معناه الحقيقي من حيث كونه منبعثا من ظنّ السّوء فتدبّر
قوله : دام ظلَّه والاستدلال به يظهر من المحقّق إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ ظاهر هذا الكلام هو استدلال المحقّق الثّاني بالآية الثّانية ولكنّه ليس بمراد قطعا كما هو واضح فلا بدّ من أن يجعل مرجع الضّمير الآية الأولى أو الوجه حيث إنّ المقصود من كون الآيتين بيان الاستدلال بما دلّ على لزوم القصد وصحّته من عموم الآيات ولعلّ هذا أقرب
قوله : لكن لا يخفى ما فيه من الضّعف إلخ
أقول : لا يخفى عليك وجه ضعفه فإنّك قد عرفت غير مرّة أنّ التّمسك بالعمومات في الشّبهات الموضوعيّة ممّا لا معنى له ضرورة أنّ محلّ الكلام في هذا الأصل ومجراه كالأصل السّابق أي قاعدة الشّك بعد التّجاوز عن المحلّ وبعبارة أخرى أصالة الصّحة في فعل الغير كفعل النّفس إنّما تجري في الشّبهات الموضوعيّة دون الحكميّة فتوهّم جريانها فيهما لا يخفى ما فيه على من له أدنى خبرة
قوله : وأضعف منه إلخ
أقول : لا يخفى عليك وجه أضعفيّة دلالة الآيتين الأخيرتين على فرض دلالتهما على ما هو المقصود بالبحث وأمّا الآيتان الأوّلتان على فرض ظهورهما فيما له تعلَّق بالمسألة في الجملة مع أنّ الأولى لا تعلَّق لها بها أصلا فلأنّ المقصود من الحمل على الصّحة هو الحكم بكون الفعل الصّادر عن المسلم ممّا يترتّب عليه الأثر المقصود منه من الملكيّة والزّوجيّة وغيرهما من الآثار والأغراض المقصودة لا مجرّد عدم ظنّ السّوء به وأنّه فعل ما لا يجوز له في تكليفه كما هو مدلول الآيتين فإنّه ليس من محلّ الكلام في شيء لأنّه ممّا انعقد الإجماع بل الضّرورة على عدم جوازه في حقّ خصوص المؤمن مطلقا أمّا بمعنى عدم جوازه في نفسه بناء على كونه اختياريّا بالنّظر إلى أسبابه على ما ذهب إليه بعض أو بمعنى عدم ترتّب الأثر عليه والبناء على تحقّقه كما هو قضيّة بعض الأخبار وكلمة الأكثرين وأيّاما كان لا تعلَّق له بما هو المقصود بالبحث في المقام والحاصل أنّ محلّ النّزاع في أنّه هل يجب البناء في صورة الشّك على أنّ الفعل الصّادر من المسلم ولو كان من أهل السّنة والجماعة ممّا يترتّب عليه الحكم الوضعي والأثر المقصود حتّى عند التّشاح والتّنازع ولو لم يكن البناء على عدمه مستلزما لظنّ السّوء وحمل قوله على كونه محرما أصلا أو لا يجب ذلك لا في أنّه إذا صدر قول من المؤمن والأخ هل يحرم ظنّ السّوء به والبناء على أنّه فعل حراما أم لا فإنّ ظنّ السّوء بالمؤمن لم يخالف أحد في عدم جوازه حتّى فيما إذا لم يصدر عنه قول وستقف على زيادة القول في هذا عن قريب
قوله : ولكنّ الإنصاف عدم دلالة الأخبار إلخ
أقول : أمّا عدم دلالة غير المرويّ في الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام على ما هو المقصود لأنّه في مقام تحريم ظنّ السّوء بالمؤمن القائل بإمامة الأئمة الاثني عشر كما هو ظاهر لمن له أدنى دراية وقد عرفت أنّه خارج عن محلّ الكلام في المقام وأمّا هو فقد يقال بل قيل بدلالته على المدّعى فإنّ الأحسن من قول المؤمن ما يترتّب عليه الأثر شرعا في مقابل ما لا يترتّب عليه الأثر وإن لم يكن محرّما بل كان جائزا للفاضل بحسب تكليفه إلَّا أنّ قضيّة التّحقيق اتّحاد المقصود منه مع ما هو المقصود من ساير الرّوايات والَّذي يدلّ على ذلك أمور أحدها ظهوره فيه بمقتضى السّياق سيّما بعد ملاحظة الإجماع القائم على عدم وجوب حمل فعل الأخ على الأحسن بمعنى كون التفصيل مقصودا من فعله في الرّواية ؛ فتأمّل
ثانيها ذكر الأخ في الرّواية فإنّه ليس إلَّا من جهة مدخليّة الأخوة في الحمل المذكور ومن المعلوم أنّه ليس لها مدخليّة إلَّا في عدم اتّهامه بحسب تكليفه
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 200
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٠٠