في الجزء الأوّل من التّعليقة وقد بنى الأستاذ العلَّامة ثمّة على وجود العاجز عن تحصيل العلم والجاهل القاصر في الأصول فراجع إلى ما ذكره ثمّة حتّى تقف على حقيقة الحال
قوله : ففيه أنّ الاستصحاب ليس دليلا إلخ
أقول : حاصل ما ذكره أنّه يشترط في الدّليل الإلزامي أن يكون موضوعه متحقّقا في حقّ من يلزمه حتّى يمكن إلزامه به ولا يكفي وجوده في حقّ الملزم والأمر في الاستصحاب في المقام ليس كذلك لأنّا قاطعون بنسخ الشّريعة السّابقة فلسنا شاكَّين في بقائها حتّى يمكن إلزامنا ببقائها بمقتضى الاستصحاب والإلزام بنفس الموضوع أي الشّك ممّا لا يعقل له معنى لأنّ الشّك من الأمور الوجدانيّة الغير القابلة للإلزام كالقطع والظَّن هذا حاصل مرامه ولكن قد يقال عليه بأنّ المعنى المذكور غير مشروط في الدّليل الإلزامي وإلَّا لزم سدّ باب الاستدلال بالدّليل الإلزامي كلَّية فإنّ في كلّ مورد يستدلّ بالدّليل الإلزامي يمكن للخصم أن يجاب بأنّه قاطع على خلافه وحجيّة كلّ دليل مشروطة بعدم القطع بخلافه فالقاطع بخلاف دليل لا يكون الدّليل حجّة عليه سواء كان هذا الدّليل من الأدلَّة القطعيّة أو الظَّنية فلا يجوز لمن لا يقول بحجيّة أخبار الآحاد أو الكتاب أو الإجماع أن يلزم بها من هو قاطع بخلافها وإن لم يكن قطعه مستندا إلى ما يصلح للاستناد إليه فلا يصحّ أن يلزم من يقطع بحدوث العالم زمانا بالبرهان الَّذي أقاموه على قدمه بحسب الزّمان وحدوثه بحسب الذّات وهو عدم جواز تخلَّف الأثر عن المؤثر ولا أن يلزم من يقطع بثبوت الاختيار في أفعال العباد بما أقاموه لإثبات الجبر من الشّبهة المعروفة إلى غير ذلك فعلى هذا يصح للكتابي أن يستدلّ بالاستصحاب فيقول إما أن تقيموا البرهان على نسخ الشّريعة السّابقة أو التزموا بها بمقتضى الاستصحاب الَّذي تدّعون أنّه حجّة ومجرّد القطع على خلافه مع عدم استناده إلى دليل يصلح للاستناد إليه ليس بشيء فتأمّل
ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّه يمكن إجراء ما تقدّم من الجواب على التّقدير الأوّل في المقام أيضا لأنّ الاعتماد على الاستصحاب في مقام العمل أو الإلزام مشروط بالفحص فلا يبقى مورد للتّمسك به بعد فرض انفتاح باب العلم في المسألة على ما عرفت سابقا فتدبّر
قوله : وإن أراد بيان أنّ مدّعى إلخ
أقول : لا يخفى عليك الفرق بين هذا وسابقه فإنّ المقصود من هذا مجرّد رفع كلفة الاستدلال عن نفسه وجعل إقامة البرهان على المسلمين فليس المقصود منه إلَّا مجرّد ذلك وهذا بخلاف سابقه فإنّ المقصود منه هو الاستدلال به على بقاء الشّريعة السّابقة على المسلمين القائلين باعتبار الاستصحاب هذا ولكن لا يخفى عليك أنّه ليس للكتابي دفع كلفة الاستدلال عن نفسه بالاستصحاب إلَّا بعد إثباته لحجيّة الاستصحاب أو ابتناء ما ذكره على إلزام المسلمين وهذا غير ما ذكره دام ظلَّه في الجواب عنه بأنّ مدّعي البقاء أيضا يحتاج إلى الاستدلال كمدّعي الارتفاع وإن كان ما ذكره أيضا صحيحا فإنّه لا إشكال في احتياج مدّعي البقاء إلى الاستدلال ولو كان هو التّمسّك بالأصل الثّابت اعتباره
قوله : الثّاني أنّ اعتبار الاستصحاب إلخ
أقول : قد عرفت سابقا الكلام في صحّة استدلال الكتابي بالاستصحاب من باب الأخبار من باب الإلزام على المسلمين وأنّ الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه قد منع منه من حيث إنّه يشترط في الدّليل الإلزامي أن لا يكون مقتضى الإلزام به بطلان مدّعى المستدل وأنّه لا يخلو عن نظر وإشكال فراجع إلى ما ذكرناه سابقا
قوله : نعم لو ثبت ذلك من شريعتهم أمكن التّمسك إلخ
أقول : قد يورد عليه بلزوم الدّور فإنّ إثبات عدم منسوخيّة الاستصحاب وغيره من الأحكام الثّابتة في شرعهم يتوقّف على اعتبار الاستصحاب واعتبار الاستصحاب أيضا يتوقّف على إثبات عدم منسوخيّته اللَّهمّ إلَّا أن يقال إنّ أصالة عدم النّسخ بعد ثبوت الحكم لا يتوقّف على اعتبار الاستصحاب بل هي من الأصول الَّتي قد جرت بناء العقلاء وأهل كلّ نحلة ودين على العمل بها من حيث الظَّن والظَّهور فلا يتوقّف إثبات اعتبارها على إثبات اعتبار الاستصحاب حتّى يلزم الدّور ولكنّك خبير بأنّ هذا خروج عن الفرض فإنّ مفروض الكلام التّمسك في إثبات عدم نسخ النّبوة والأحكام الثّابتة في شريعة النّبي بالاستصحاب المبني على الأخبار وإلَّا لجرى مثل ما ذكر في الحكم بعدم منسوخيّة النّبوة أيضا فأين يبقى مجال للتّمسّك بالاستصحاب من باب الأخبار والحاصل أنّ ما ذكر من الجواب على خلاف الفرض هذا مضافا إلى أنّ هنا شيء آخر قد أشار إليه دام ظلَّه في طيّ كلماته السّابقة والتزم به وهو أنّ بقاء الحكم وارتفاعه تابع لبقاء النّبوة وارتفاعها فإذا لم يمكن إثبات بقائها فلا يجوز الحكم ببقائه
فتدبّر ؛ ولكن يمكن أن يقال بأنّ ما ذكر من الاستدراك مبنيّ على أنّه بعد ثبوت اعتبار الاستصحاب في الشّريعتين يكون حجّة قطعيّة على كلّ تقدير سواء نسخت الشّريعة السّابقة أم لا فلا يحتاج في إثبات اعتباره إذا إلى التّمسّك بالاستصحاب حتّى يلزم إثبات اعتبار الاستصحاب بالاستصحاب هذا ولكن قد يقال عليه أيضا بأنّ العلم بعدم نسخ الاستصحاب على تقدير نسخ الأحكام والشّريعة السّابقة أيضا لفرض العلم بثبوته في كلّ من الشّريعتين لا يسوغ التّمسك به في إثبات الشّريعة السّابقة فإنّ ثبوته في الشّريعة اللاحقة
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 155
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٥٥