بوجهين أحدهما : أنّ اعتبار ما ذكره حسب ما يفصح عنه مقالته إنّما هو من جهة حصول الظَّن بالغلبة من حيث اختصاصها بما فرضه على ما ادّعاه وليس دليل اعتبار الاستصحاب عنده مختصّا بالظَّن بل هو قائل باعتبار الاستصحاب من باب الأخبار أيضا الشّامل لصورة عدم حصول الظَّن ببقاء الحالة السّابقة على ما صرّح به في أوّل القانون ثانيهما : أنّه لا مانع من التمسك بأصالة عدم القيد لإثبات كون الكلام الوارد مطلقا وخاليا عن القيد بناء على ما عليه المحقّق من اعتبار الاستصحاب من باب الظَّن حسب ما عرفت في طيّ كلماتنا السّابقة من أنّه لا ضير في الالتزام باعتبار الأصل المثبت بناء على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظَّن فتأمّل ( 1 ) قوله : أمّا أوّلا فلأنّ مورد النّقض إلخ أقول : لا يخفى عليك عدم توجّه هذا الإيراد عليه لأنّ له أن يلتزم فيما ذكره دام ظلَّه بعدم جريان الاستصحاب فيه وليس هذا أمرا غريبا نعم يمكن الإيراد عليه بأنّ غالب الأحكام الشّرعيّة ليست على ما ذكره فتأمل قوله : وأمّا ثانيا فلأن الشّك إلخ أقول : يمكن أن يقال إنّ مراده من الرّافع أعمّ ممّا ذكره دام ظلَّه وليس المراد منه خصوص ما يقابل المعنى الموجود في النّسخ حتّى يتوجّه عليه ما ذكره دام ظلَّه فتدبّر ؛ هذا مضافا إلى أنّ ما ذكره إنّما يستقيم في خصوص الشّك في الارتفاع بالنّسخ وأمّا إذا شكّ في ارتفاع الحكم الشّرعي بغير النّسخ كارتفاع الطَّهارة بالمذي أو بالخارج من غير السّبيلين مثلا والنّجاسة بالغسل مرّة أو بالاستنجاء بالحجر ذي الجهات مثلا والزّوجيّة ببعض الألفاظ والملكيّة ببعض الأمور فلا فتأمل ثمّ إنّ تسمية النّسخ بالرّفع الصّوري إنّما هي بالنّسبة إلى الواقع وإلَّا فبالنّسبة إلى ما يرفعه من الظَّهور رافع واقعي فتأمل قوله : وأمّا ثالثا فلأنّ ما ذكره في حصول الظَّن أقول : قد يقال على ما ذكره بأنّه لم يدّع ظهور الكلام بنفسه ومقتضى إطلاقه في البقاء والاستمرار وإنّما ادّعي حصول الظَّن بذلك من ملاحظة الغلبة فهو ظنّ متعلَّق بالحكم الواقعي حصل من الغلبة كالظَّن الحاصل ببقاء الموضوع الخارجيّ من جهتها والقول بأنّ الاتكال على هذا الظَّن خروج عن الاعتماد على الاستصحاب والحالة السّابقة من حيث هي الَّذي هو المناط في باب الاستصحاب حسب ما يفصح عنه مقالتهم في تعريفه كلام آخر أورده دام ظلَّه في طيّ الكلام على ما ذكروه في بيان منشأ الظَّن الحاصل بالاستصحاب غير ما ذكره هنا من رجوع الظَّن إلى الظَّن اللَّفظي الَّذي قام الإجماع على اعتباره هذا ولكنّك خبير بفساد هذه المقالة لأنّ الظَّن الحاصل من الغلبة الَّذي لا دخل له بالظَّن اللَّفظي هو الظَّن الحاصل ببقاء الحكم النّفس الأمري من ملاحظة غلبة بقاء الأحكام الصّادرة من الموالي أو من خصوص الشّارع لا الظَّن الحاصل بإرادة المتكلَّم من اللَّفظ المطلق أو الإطلاق والدّوام من جهة ملاحظة غلبة إرادة الإطلاق والدّوام من المطلقات الَّتي علمناها من الخارج فإنّه ظنّ لفظيّ متعلَّق بالإرادة أوّلا وبالذّات وإن تعلَّق بالحكم أيضا ثانيا وبالعرض فهو كالظَّن الحاصل من الشّهرة في الاستعمال بإرادة المعنى المجازي من اللَّفظ نعم ؛ يمكن أن يورد على ما ذكره بأنّه لا دليل على اعتبار هذا الظَّن بناء على ما بنى عليه الأمر دام ظلَّه من أنّ كلّ ظنّ تعلَّق بالمراد لا دليل على اعتباره وإنّما الَّذي قام الدّليل عليه هو اعتبار الظَّن الحاصل من نفس اللَّفظ بالمراد ولو بضميمة القرينة نعم ؛ بناء على ما عليه جماعة من اعتبار كلّ ظنّ تعلَّق بالمراد من اللَّفظ لم يتوجّه عليه الإشكال وكيف كان لا دخل لهذا الظَّن بالظَّن الاستصحابي سواء قلنا باعتباره من حيث الخصوص أو لا مع أنّه يمكن أن يقال إنّ هذا الظَّن حاصل من اللَّفظ أيضا بملاحظة ما ذكره من الغلبة فهو نظير الظَّن الحاصل من اللَّفظ بإرادة المعنى المجازي بواسطة شهرة الاستعمال وكثرته أو بواسطة وقوعه فيما يظهر منه ذلك كوقوع الأمر عقيب ظنّ الحظر لو توهّمه إلى غير ذلك من الظَّنون المتعلَّقة بالمرادات الحاصلة من اللَّفظ بواسطة القرائن المكتنفة بها الكلام المقرون بها فإنّ الاعتماد على هذا النّحو من الظَّن أيضا ممّا لا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه لاستقرار الطَّريقة العرفيّة على الاتّكال عليه في تفهيم المقاصد فتدبّر نعم ؛ هنا كلام آخر على ما ذكره لا دخل له بالمقام وهو أنّ مع قيام الدّليل الاجتهادي المعتبر لا يبقى محلّ للرّجوع إلى الأصل إلَّا مع قطع النّظر عن وجوده فكيف حكم بإغنائه عن الاستصحاب المستظهر منه جواز الرّجوع إليه أيضا لكنّه مناقشة لا ربط لها بالمقام مع أنّه يمكن دفعها بالتّأمّل فظهر ممّا ذكرنا كلَّه أنّ هذا الإيراد ممّا لا مدفوع عنه فالأولى أن يذكره بدل الإيراد الثّالث ولم يذكره أصلا حتّى يتوجّه عليه ما ذكرناه في الايرادين واللَّه العالم وحاصل ما ذكرناه إمكان دفع جميع الإيرادات المذكورة في الكتاب عن المحقّق القميّ قدس سره أمّا الأوّل فلما أسمعناك سابقا في طيّ الأقوال في المسألة وأدلَّتها من ذهاب المحقّق المذكور إلى التّفصيل بين أقسام الشّك في المقتضي وقوله باعتبار الاستصحاب عند الشّك في انقضاء الاستعداد بعد العلم بمقداره بخلاف القسمين الآخرين للشّك في المقتضي وأمّا الثّاني فلأنّ ثبوت مطلق النّبوة لا يلازم اللَّفظ أصلا فضلا عن كونه مطلقا لفظيّا لا يجتمع فيه شروط التّمسّك بإطلاقه وإلَّا خرج عن التمسّك بالاستصحاب لأنّه على تقدير تسليم كون بيان النّبوة باللَّفظ ليس هو
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 152
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٥٢
هامش
( 1 ) وجه التأمل إن القادح في تعيين الحادث بالأصل هو التعارض على تقدير اعتبار الأصل المثبت فتدبر جدا منه دام ظله العالي