الآخر به كما في استصحاب عدم حيض المرأة المقصود به إثبات كون الدّم الخارج منها غير حيض فيترتّب عليه أحكام دم الاستحاضة من جهة ما دلّ على أنّ كلّ دم لا يكون حيضا فهو استحاضة وهذا أيضا لا إشكال في عدم صحّته لوجود المحذور الَّذي عرفته في سابقه فيه أيضا
ثمّ إنّه لا يخفى الفرق بين هذا وبين أصالة عدم تحقّق التّذكية في المشكوك فإنّ موضوعها نفس اللَّحم المردّد فلا يحتاج إلى إثبات واسطة وهذا بخلاف استصحاب عدم الحيض فإنّ الموضوع فيه المرأة غاية الأمر ثبوت الملازمة بين عدم حيضها وكون الدّم الخارج منها غير حيض فهذا الاستصحاب نظير استصحاب الكريّة من غير إضافة إلى الماء المشكوك لإثبات اتّصافه بها واستصحاب عدم التّذكية في اللَّحم نظير استصحاب الكريّة باعتبار إضافتها إلى الماء فيقال إنّ الأصل بقاء الماء المشكوك على كريّته المعلومة في السّابق وهذا الاستصحاب وإن لم يجر بناء على المداقّة في إحراز الموضوع إلَّا أنّه بناء على المسامحة يكون كاستصحاب عدم التّذكية في المقام ومثل هذين الاستصحابين استصحاب القلَّة بالاعتبارين فيما كان الماء المشكوك مسبوقا بالقلَّة
نعم ؛ أصالة عدم كون الدّم الخارج حيضا مع الإغماض عمّا يتوجّه عليه من عدم الحالة السّابقة للدّم المردّد يكون من قبيل أصالة عدم التّذكية بالمعنى الَّذي عرفت إلَّا أنّها معارضة بأصالة عدم كونه استحاضة فلا يجوز التّعويل عليها إلا بالنّسبة إلى نفي الأحكام المترتّبة على هذين العنوانين من حيث الخصوص فيحكم بوجوب الصّلاة عليها وجواز لبثها في المساجد وقراءة سور العزائم إلى غير ذلك من الأحكام الَّتي ثبتت مانعيّة الحيض لها وأيضا يحكم بعدم وجوب خصوص أعمال المستحاضة عليها من جهة أصالة عدم الاستحاضة هذا اللَّهمّ إلَّا أن يقال إنّه بعد العلم الإجمالي بعدم خروج الدّم الخارج عن أحدهما يقطع بارتفاع الطَّهارة السّابقة ولزوم إجراء حكم أحد الدّمين عليها فالحكم برجوعها إلى الأصل بالنّسبة إلى كلّ من الحكمين لا يخلو عن تأمّل بل مقتضى ما ذكره دام ظلَّه في القسم الثّاني من استصحاب الكلَّي هو الرّجوع إلى استصحاب الحدث بعد إتيانها بمقتضى
أحد الدّمين فبمقتضى القاعدة الأوّليّة حينئذ هو الجمع بين أعمالهما بحكم العقل من جهة قاعدة الشّغل فتأمّل
قوله : دام ظلَّه والمعيار عدم الخلط بين إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ ما ذكره معيار متين حسن يجب البناء عليه في الوجوديّات والعدميات معا فكلّ ما كان الشّيء متّصفا بوصف عنواني ثمّ شكّ في زوال هذا الوصف عنه في اللَّاحق فيرجع إلى استصحاب بقاء هذا الموصوف على وصفه وكلَّما كان الشّيء محلَّا لوصف واقعا ثمّ شك بعد العلم بثبوت هذا الوصف في المحلّ في زواله فلا يرجع إلى استصحاب بقاء هذا الوصف لإثبات كون المحلّ مشغولا به لأنّه يلزم التّعويل على الأصل المثبت بخلاف الأوّل فهذه قاعدة كليّة لا ريب ولا إشكال فيها أصلا
نعم ؛ قد يقع الإشكال في المصاديق الخارجة من أنّها من أيّ القسمين فلا بدّ من التّأمّل حتّى لا يقع في خلاف الواقع
ثمّ إنّ هذا كلَّه إنّما هو مبنيّ على القول باعتبار الاستصحاب من باب الأخبار وأمّا على القول باعتباره من باب الظَّن فلا فرق بين القسمين كما لا يخفى بناء على ما عرفت الإشارة إليه مرارا وستعرفه تفصيلا من كون اللَّازم على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظَّن عدم الفرق بين ما يترتّب شرعا على المستصحب بلا واسطة أمر عقليّ أو عاديّ وما يترتّب عليه بتوسّط أحدهما وإن لم يلتزم القائل به بهذا اللَّازم في جميع الموارد على ما سيمرّ عليك
قوله : دام ظلَّه إنّه قد علم من تعريف الاستصحاب إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ الكلام في هذا الأمر أيضا متعلَّق بالمتيقّن سابقا وما عرفته في الأمر الأوّل من الحيثيّة ملحوظ فيه وفي سائر ما سيمرّ عليك من الأمور فمجمل القول فيه أنّه إمّا أن يكون من الزّمان أو غيره وعلى الثّاني لا يخلو أيضا إمّا أن يكون متصرّم الوجود كالزّمان فيتجدّد شيئا فشيئا كالتّكلَّم والكتابة والمشي بل مطلق ما يكون من قبيل الحركة ويسمّى بالزّماني من حيث كون التّميز بين أشخاصه بالزّمان أو لا يكون كذلك وعلى الثّاني لا يخلو أيضا إمّا أن يؤخذ أحد القسمين في موضوع حكمه أو لا لا إشكال في جريان الاستصحاب في القسم الأخير فلا ينبغي التّكلَّم فيه إنّما الإشكال في جريان الاستصحاب في سائر الأقسام
فنقول : أمّا القسم الأوّل فالَّذي يقتضيه التّحقيق عدم جريان الاستصحاب فيه بالنّظر إلى الدّقة العقليّة لأنّك قد عرفت غير مرّة أنّ الشّرط في تحقّق الاستصحاب موضوعا هو اتّحاد القضيّة المتيقّنة والمشكوكة بحيث لم يكن الفارق بينهما إلَّا باليقين والشّكّ وإلَّا لم يصدق البقاء على الالتزام بالحكم في زمان الشّك ولا النّقض على عدم الالتزام به فيه لأنّ معنى البقاء هو وجود ما كان موجودا في الزّمان الأوّل في الزّمان الثّاني بعينه ومن المعلوم أنّ هذا المعنى لا يتصوّر بالنّسبة إلى الزّمان لأنّ وجود كلّ قطعة منه يتوقّف على انعدام ما قبله فيكون وجود جزئه بحسب التّدريج والتّصرّم بحيث لا استقرار لها في الوجود فكلّ ما شكّ في وجود جزء منه فيرجع إلى الشّك في الوجود ابتداء فيكون من الشّك في الحدوث حقيقة ولازمه عدم صدق البقاء مثلا إذا شكّ في جزء في أنّه من اللَّيل أو النّهار فلا ريب في أنّ العلم بكون ما قبله نهارا لا ينفع بالنّسبة إلى الزّمان المشكوك لأنّه غيره قطعا هذا ما
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 105
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٠٥