بأصالة عدم التّذكية المقتضية لنفي الحليّة والطَّهارة فيصير حال الأصلين كالأصلين الجاريين في المشتبهين في الشبهة المحصورة
نعم ؛ لو ترتّب حكم غير ما ذكر على الموت فلا إشكال في نفيه بأصالة عدم الموت كما أنّه لو ترتّب حكم على خصوص المذكَّى غير الطَّهارة والحليّة لم يكن ريب في نفيه بأصالة عدم التّذكية وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا فيرجع بعد تعارض الأصلين حينئذ إلى أصالة الحليّة والطَّهارة فلو قال بدل ما قال فيبقى أصالة الحلّ والطَّهارة سليمتين عن الرّافع الشّرعي لكان في غاية الجودة فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ أصالة عدم الموت حتف الأنف وإن لم يثبت بها التّذكية من جهة استلزامه التّعويل على الأصل المثبت لكنّها لا يكون سليمة عن المعارض بعد ملاحظة العلم الإجمالي
قوله : دام ظلَّه إنّ استصحاب عدم التّذكية حاكم على استصحابهما إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ حكومة استصحاب عدم التّذكية على الأصلين مع كون الحرمة والنّجاسة من أحكام الميتة إنّما هي مبنيّة على فرض السّيد كما هو مفروض الكلام من إثبات أصالة عدم التّذكية للموت وإلَّا فقد عرفت عدم حكومته عليهما على القول بعدم اعتبار الأصل المثبت
قوله : دام ظلَّه فلو لا ثبوت التّذكية بأصالة عدم الموت إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه لا حاجة إلى إحراز التّذكية بأصالة عدم الموت في الرّجوع إلى الأصلين لأنّ مجرّد إثبات عدم الموت المقتضي لعدم الحرمة والنّجاسة بالأصل المعارض لأصالة عدم التّذكية يكفي في الرّجوع إليهما ضرورة أنّ مجرّد عدم قيام الدّليل الشّرعي السّليم على الحرمة والنّجاسة يكفي في الرّجوع إلى أصالة الحليّة والطَّهارة لتحقّق موضوعهما بذلك وهو الشّك في الحليّة والطَّهارة مع عدم قيام ما يقتضي بحكم الشارع خلافهما وهذا أمر واضح لا يعتريه ريب إن شاء اللَّه تعالى
ثمّ إنّ ما وقع في طيّ كلماته دام ظلَّه من ذكر استصحاب الحليّة والطَّهارة وقاعدتهما معا لا يخلو عن مناقشة للمنع من جريان استصحاب الحليّة في المقام لعدم وجود الحالة السّابقة له كما لا يخفى على من له أدنى دراية وأمّا استصحاب الطَّهارة فلا إشكال في جريانه بناء على المسامحة في موضوع الاستصحاب وأمّا بناء على الدّقة فلا لأنّ الطَّهارة المعلومة سابقا إنّما كانت من عوارض الحيوان والمقصود إثباته في اللَّاحق هي الطَّهارة في الجسم هذا ولكن يمكن أن يقال إنّ ذكر الأستاذ العلَّامة لاستصحاب الحليّة إنّما هو من قبل السيّد والظَّاهر وجود هذا الاستصحاب وأمثاله في كلماته وكلمات غيره وإن كان مقتضى التّحقيق خلاف ما ذكروه فتأمّل
قوله : دام ظلَّه من حيث إنّ العدم الأزليّ مستمرّ مع حياة الحيوان إلخ
أقول : أراد بذلك الفرق بين المستصحب الوجودي إذا كان كليّا وبين المستصحب العدمي إذا كان كذلك حيث إنّ وجود الكلَّي في ضمن فرد غير وجوده في ضمن فرد آخر وهذا بخلاف العدم فإنّ العدم المقارن لموجود ليس غيره إذا كان مقارنا لموجود آخر والوجه فيه أنّ العدم ليس مستندا إلى وجود ما هو مقارن له وليس له علَّة حتّى يقال إنّ انتفاء أحد الوجودين يستلزم انتفاء العدم المقارن له إذ كلّ عدم مقارن لجميع الوجودات ولا يتغيّر بتغايرها
نعم ؛ قد يكون انتفاء بعض الوجودات مقتضيا لوجود المعدوم كما في الضّدّين اللَّذين لا ثالث لهما لكنّه لا دخل له بما نحن في صدده من عدم تغاير العدم بتبادل الموجودات المقارنة له كما لا يخفى هذا ولكن لا يخفى عليك أنّه يمكن المناقشة فيما ذكره بأنّ عدم التّذكية الأزلي من غير إضافة إلى الموضوع المشكوك ممّا لا يعقل عروض الحكم له ولا صيرورته قيد الموضوع عرض له الحكم والَّذي يصحّ قيدا إنّما هو العدم المضاف إلى الموضوع الخاص وهذا المعنى لا يجري فيه ما ذكره دام ظلَّه كما لا يخفى بل لا بدّ من المشي فيه على المسلك الَّذي قدّمناه لك
قوله : دام ظلَّه بل لو قلنا بعدم جريان الاستصحاب إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه لا بدّ أن يكون المراد من القسمين هو القسمين الأوّلين من القسم الأخير فإنّه لا أولويّة لإجراء الاستصحاب في العدمي بالنّسبة إلى القسم الأوّل من الأقسام الثّلاثة لأصل استصحاب الكلَّي وهذا الَّذي ذكرنا وإن كان خلاف ظاهر العبارة إلا أنّه لا بدّ أن يكون هو المراد اللَّهمّ إلَّا أن يتشبّث في إبقاء العبارة على ظاهرها بذيل ما قدّمناه لك من الإشكال في الجمع بين استصحاب الكلَّي والفرد في القسم الأوّل ضرورة سلامة مفروض البحث عن الإشكال المذكور نظرا إلى عدم كون الاستصحاب المبحوث عنه من استصحاب الكلَّي على ما عرفت الإشارة إليه فافهم وتدبّر
قوله : دام ظلَّه إذا لم يرد إثبات الموجودات المتأخّرة إلخ
أقول : حاصل ما ذكره هو أنّه قد يقصد بالاستصحاب في الأمر العدمي ترتّب الأحكام المترتّبة على نفسه في الشّرع أو على أمر وجودي هو قيده فيه كما في الحرمة العارضة على اللَّحم الَّذي لم يذكّ وهذا ممّا لا إشكال في صحّته وقد يقصد به ترتيب الأحكام المترتّبة على أمر وجودي مقارن له أو ملازم لما أخذ قيدا له كالموت بالنّسبة إلى اللَّحم الَّذي لم يذكّ بناء على كونها أمرا وجوديّا وهذا لا إشكال في عدم جريان الاستصحاب بالنّسبة إليه لاستلزامه التّعويل على الأصل المثبت مع كونه معارضا بعدم هذا الأمر الوجودي دائما وقد يقصد باستصحاب العدم في موضوع إثبات اتّصاف الموضوع
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 104
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٠٤