لم يترتب فيه على نفس الشّك بل على عنوان موجود في صورة الشّك أيضا وهذا بخلاف المقام فإنّ الحكم فيه مترتّب على نفس الشّك وعدم العلم ولا نعني بالحكم الظَّاهري إلَّا هذا المعنى مع أنّه لو سلَّم كون الحرمة والنّجاسة في صورة الشّك واقعيّا لم ينفع الخصم أيضا في الحكم بالطَّهارة والحليّة في اللَّحم المشكوك بل يدلّ على خلاف مدّعاه كما لا يخفى هذا ولكن من المعلوم أيضا دلالة جملة من الآيات والأخبار على ترتب الحرمة والنّجاسة على الميتة كما في آية قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّما الآية وقوله تعالى حرّمت عليكم الميتة والدّم الآية إلى غير ذلك والرّوايات الدّالَّة عليه كثيرة مثل ما ورد في عدم جواز الصّلاة في شيء من الميتة وفي جلده وإن دبّغ سبعين مرّة وفي بعض الأخبار تعليل الحكم بحرمة الطَّعام الَّذي مات فيه فأرة بأنّ اللَّه حرّم الميتة من كلّ شيء
فنقول : إنّ هذه لا تنافي ما ذكرنا لأنّ الميتة عبارة عند الشارع عن كلّ ما خرج روحه بغير التّذكية وليس عند الشارع واسطة بين المذكَّى والميتة بأن يكون الميتة خصوص ما خرج روحه بحتف الأنف وإلَّا لكانت النّجاسات زائدة على ما عدّوها ويدلّ على ما ذكرنا كثير من الأخبار النّاطقة بأنّ القطعة المبانة من الحيّ ميتة وغير ذلك ممّا ورد في غيره ومن أقوى ما يشهد لما ذكرناه وقوع التّعبير في جملة من الآيات والأخبار عن معروض الحرمة بغير المذكَّى وفي جملة بالميتة
لا يقال : إنّ عدم الواسطة بين المذكَّى والميتة لا يثبت كون الميتة غير المذكَّى حتّى يكون على وفق الأصل لم لا يكونا من الضّدّين لا ثالث لهما
لأنّا نقول : هذا الكلام ممّا لا يرضى به اللَّبيب لأنّ العنوان الجامع لجميع أقسام خروج الرّوح بغير التّذكية ليس إلَّا نفس هذا القيد وليس هنا شيء آخر يجعل ميزانا للفرق بين المذكَّى والميتة ؛ فتدبّر
وممّا ذكرنا كلَّه ظهر فساد ما ذكره دام ظلَّه في الجزء الثّاني من الكتاب وما ربما يظهر من هذا الجزء أيضا من الجواب عن المعارضة المذكورة تارة بأنّ الحكم لم يترتّب على الميتة في الشّريعة بل على غير المذكَّى وأخرى بتسليم ترتّب الحكم عليها ودعوى كونها عبارة عن غير المذكَّى ضرورة أنّ الجواب الآخر لا يتمّ إلَّا بضميمة الجواب الأوّل كما عرفت منّا إذ إنكار ترتّب الحكم في الشّريعة على الميتة مكابرة محضة ودعوى أنّ الجواب الأوّل مبنيّ على ما يراه الخصم من كون الميتة أمرا وجوديّا لم يؤخذ فيه عدم التّذكية أصلا بل هي خصوص الموت حتف الأنف ممّا لا يجدي في نفي ما هو المشاهد بالعيان من تعليق الأحكام على الميتة أيضا
ثانيهما : أن يقال إنّ الميتة عبارة عن كلّ ما زهق روحه فيشمل المذكَّى وغيره إلَّا أنّه خرج المذكَّى عنه وحكم بحليّته وطهارته فالمذكَّى وإن كان ميتة واقعا إلَّا أنّه خارج عنها حكما وحينئذ إذا شكّ في تحقّق عنوان المخصّص فيرجع إلى العام ويحكم بترتّب أحكام الميتة وإن كان مرجع الشّك إلى الشّك في المصداق إذ قد عرفت غير مرّة أنّه إنّما يحكم بالإجمال ولا يرجع إلى حكم العموم في الشّك في المصداق فيما لم يكن هناك أصل موضوعي يثبت عدم وجود المخصّص ولا إشكال في وجوده في المقام لأنّ عدم تحقّق التّذكية موافق للأصل
فتدبّر ؛ ولا يتوهّم أنّ هذا يرجع إلى التّمسك بالعموم فلا دخل له بالاستصحاب لأنّك قد عرفت أنّ التّمسك بالعموم فيه إنّما هو بمعونة الاستصحاب بل قد يقال بأنّ المستند حقيقة هو الاستصحاب ليس إلَّا لأنّ الشّك في الحكم بمقتضى الفرض إنّما هو من جهة الشّك في المصداق فحكم الشارع بعدم
الاعتناء بالشّك فيه والبناء على عدم وجود المخصّص هو الالتزام بحكم العموم بمقتضى الاستصحاب بل التّحقيق عدم إمكان جعل الاستصحاب ضميمة للتّمسك بالعموم كما هو ظاهر ولكنّك خبير بأنّ الوجه الأوّل أوجه من الثّاني فتبيّن ممّا ذكرنا كلَّه فساد قياس الاستصحاب في مشكوك التّذكية على استصحاب الضّاحك الموجود في ضمن زيد لإثبات وجود عمرو في الدّار بعد خروج زيد عن الدّار هذا ملخّص ما أفاده دام ظلَّه في بيان الفرق ولكن مع ذلك لا بدّ من التّكلَّم في بعض فقرات كلامه لعدم تبيّن وضوح المراد منه
قوله : دام ظلَّه ثمّ إنّ الموضوع للحلّ والطَّهارة إلخ
أقول : أراد بذلك دفع ما ربما يتوهّمه المتعسّف الخالي عن التّأمّل من استلزام الرّجوع إلى أصالة عدم التّذكية التّعويل على الأصل المثبت لأنّ المقصود إثبات الحرمة والنّجاسة في اللَّحم فإثباتهما لا يمكن إلَّا بإثبات كونه غير مذكَّى باستصحاب عدم التّذكية وهو معنى الأصل المثبت وحاصل ما ذكره في دفعه ما عرفته في طيّ كلماتنا السّابقة من أنّ أصالة عدم التّذكية إنّما يجري في نفس اللَّحم المشكوك ومعنى عدم تذكيته هو كونه غير مذكَّى فليس هنا واسطة تثبت باستصحاب عدم التّذكية حتّى يلزم التّعويل على الأصل المثبت كما لا يخفى
قوله : دام ظلَّه أشكل إثبات الموضوع بمجرّد أصالة إلخ
أقول : لا يخفى أنّ المتعيّن أن يقول دام ظلَّه بدل قوله أشكل لم يجز لأنّ عدم اعتبار أصل المثبت عنده ممّا لا شكّ فيه
قوله : دام ظلَّه فبقي أصالة عدم حدوث سبب نجاسة اللَّحم إلخ
أقول : لا يخفى عليك عدم بقاء الأصل المذكور سليما عن المعارض لأنّه بعد العلم الإجمالي بعدم كون الحكم في اللَّحم خارجا عن الحليّة والطَّهارة والحرمة والنّجاسة يعارض الأصل المذكور
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 103
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٠٣