تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
البحث قد ينتصر به للقائل بعدم اعتبار الاستصحاب المذكور من جهة المعارضة وهو أنّ التّفصيل الَّذي ذكرنا في مسألة الشّك في الحادث إنّما يستقيم على القول بعدم اعتبار الأصول المثبتة حسب ما هو قضيّة التّحقيق وأمّا على القول باعتبارها كما عليه المشهور من جهة ذهابهم إلى كون اعتبار الاستصحاب من باب الظَّن كما عن الأكثرين أو من باب التّعبّد مع عدم الفرق بين الأصول المثبتة وغيرها كما عن جماعة ممّن تأخّر فلا وجه للتّفصيل المذكور بل يجوز إجراء الأصل في المقام وأمثاله من كلّ من الطَّرفين فكما يقال الأصل عدم كون خروج الرّوح بطريق الموت حتف الأنف فيثبت كون المشكوك وقع عليه التّذكية إذ لا يلزم عليه شيء إلَّا كونه من الأصول المثبتة والمفروض الالتزام باعتبارها والحاصل أنّ ترتّب الأحكام في الشّريعة على التّذكية وعدمها لا يمنع من المعارضة الَّتي ذكرها المانع على القول باعتبار الأصول المثبتة ولم يظهر لي ما يدفع هذا الإشكال على هذا التّقدير نعم ؛ بناء على القول بأنّ الميتة عبارة عن غير المذكَّى كما ستقف عليه في الوجه الثّاني لم يكن معنى للمعارضة المذكورة كما لا يخفى وأمّا ما يقال من أنّه إذا بني على أنّ الموت عبارة عن خصوص خروج الرّوح عن الأنف كما هو ظاهر كلام المانع يوجد هنا واسطة بين المذكَّى والميتة فبأصالة عدم الموت لا يمكن إثبات التّذكية ضرورة أنّ نفي أحد الضّدين إنّما يستلزم ثبوت ضدّ الآخر فيما لم يكن لهما ثالث فمدفوع بأنّ للمانع أن يتمسّك حينئذ بنفي جميع الأضداد بالأصل فيثبت التّذكية اللَّهمّ إلَّا أن يقال إنّه غير مطلب المانع فإنّ الظَّاهر من كلامه المعارضة بين أصالة عدم الموت والتّذكية لا بين أصالة جميع الأضداد وأصالة عدم التّذكية ولكن يدفعه أنّ ما ذكرنا من جانب المانع لم يكن مستفادا من كلامه بل ظاهر كلامه خلافه حيث إنّه ظاهر في كون الحرمة والنّجاسة من أحكام الميتة وإنّما هو كلام ذكرناه من قبله على تقدير غير مسلَّم عنده فلا مانع من أن يلتزم على هذا التّقدير بما ذكرنا من إجراء الأصل في جميع الأضداد ؛ فتدبّر مع احتمال كون مراده من الموت حتف الأنف كلّ خروج روح لم يكن بعنوان التّذكية ؛ فتأمّل قال الفاضل التّوني رحمه الله في ذيل كلامه المحكي واستدلّ بعض آخر على النّجاسة بأنّ للذّبح أسبابا حادثة والأصل عدم الحادث فيكون نجسا وقد عرفت أيضا أنّ أصالة العدم مشروطة بشروط منها أن لا يكون مثبتا لحكم شرعيّ مع أنّه معارض بعدم أسباب الموت أيضا انتهى كلامه ولكنّك خبير بأنّ هذه المعارضة على تقدير ترتّب الأحكام في الشّريعة على المذكَّى وغيره على ما عليه الأستاذ العلَّامة وجماعة وهو الحقّ الَّذي لا محيص عنه من عدم اعتبار الأصول المثبتة فاسدة جدّا فالأولى نقل الكلام إلى إثبات هذا التّقدير فنقول : إنّ من المعلوم الَّذي لا يرتاب فيه ظهور جملة من الآيات وكثير من الأخبار بل صراحتها في أنّ الحرمة والنّجاسة رتّبتا على غير المذكَّى الواقعي وضدّهما رتّب على المذكَّى الواقعي نعم ؛ قد يقوم على إثباتهما طرق شرعيّة من التّعبّدية وغيرها كما هو الشّأن في سائر الموضوعات الواقعيّة الَّتي رتّبت عليها أحكام في الشّريعة ومنه يظهر أنّ ما ذكره الأستاذ العلَّامة لا يخلو عن تسامح إلَّا أن يكون مراده كما هو الظَّاهر ما هو المحصّل بعد ملاحظة ما دلّ على اعتبار الأمارة أو الأصل ؛ فتأمّل بل أقول إنّ الأخبار الدّالَّة على ترتّب الأحكام على المذكَّى وغيره قد بلغت حدّ التّواتر كما يعلم من الرّجوع إلى ما ورد في باب الصّيد والذّباحة وما ورد في جواز ترتّب أحكام المذكَّى على المأخوذ من سوق المسلمين والصّلاة في جلده فإنّه وإن استدلّ به بعض الأصحاب على أنّ الحكم في المشكوك مطلقا هو الإلحاق بالمذكَّى لكنّك خبير بفساد هذا الاستدلال ودلالتها على خلاف المدّعى وما ورد في جواز الصّلاة في جلد الحيوان الَّذي ذكَّي وعدم جوازها في جلد الحيوان الَّذي لم يعلم تذكيته كموثّقة ابن بكير قال سأل زرارة أبا عبد اللَّه عليه السلام عن الصّلاة في الثّعالب والفنك والسّنجاب وغيره من الوبر فأخرج كتابا زعم أنّه إملاء رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أنّ الصّلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله فالصّلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصّلاة حتّى يصلَّى في غيره ممّا أحلّ اللَّه أكله وإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصّلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وكلّ شيء منه جائزة إذا علمت أنّه ذكَّي قد ذكَّاه الذّابح الحديث ومثل ما روي في الوافي بسنده إلى عليّ بن أبي حمزة قال سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام وأبا الحسن عليه السلام عن لباس الفراء والصّلاة فيها فقال لا تصلّ فيها إلَّا فيما كان منه ذكيّا إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا الباب ولا يتوهّم أنّ الظَّاهر من جملة من الأخبار كون العلم بالتّذكية شرطا في ترتّب الأحكام على المذكَّى ومأخوذا في الموضوع وكون الحرمة والنّجاسة مترتّبين في الواقع على المشكوك كما في جملة من الأحكام الَّتي تكون كذلك كحرمة العمل بما وراء العلم وغيرها فيكون ثبوتهما في مورد الشّك واقعيّا فلا معنى لإجراء الأصل لأنّ من الواضح المعلوم لكلّ من تتبّع تلك الأخبار كون الحكم المترتّب على صورة الشّك وعدم العلم حكما ظاهريّا وإن لم يعلم كونه من جهة الاستصحاب لاحتمال كونه حكما ظاهريّا في عرضه كقاعدة الطَّهارة واستصحابها والقياس بمسألة حرمة العمل بما وراء العلم فاسد جدّا لأنّ