بالصّحيحي في ألفاظها لا يجوز قطعا من غير فرق في ذلك بين ما ورد في باب الصلاة والزّكاة والخمس والصّيام الَّذي ليس له ظهور يتمسّك به حتّى على القول بالأعمّ من حيث وروده في مقام الإهمال أو حكم آخر أو غيرها من أبواب الوضوء والغسل والتّيمّم إلَّا أن يقال بالتّفصيل في المسألة الأصوليّة وهو فاسد عند الأستاذ العلَّامة القائل بالصّحيح فافهم
قوله مثل قوله إنّما المشركون نجس إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ الحكم بعدم جواز قرب أهل الكتاب متفرّعا على نجاستهم وكفرهم أو مطلق الكافر وإن لم يكن حكما عباديّا إلَّا أنّه ينفع كثيرا في باب العبادات كما ينفع في باب المعاملات بالمعنى الأعم أيضا ولعلَّه المراد من التّمسك بالآية في العبادات في كلامه قدس سره فلا يتوجّه عليه الإيراد المتوهّم فافهم
قوله دام ظلَّه فلا يخلو إمّا أن نقول بتواتر القراءات كلَّها إلخ
أقول : بالحريّ أوّلا أن نتكلَّم بعض الكلام في أصل مسألة تواتر القراءات ثمّ نعقّبه بالكلام في حكم القراءتين المختلفتين على كلّ من تقديري القول بالتواتر وعدمه
فنقول : المشهور بين الأصحاب بل المدّعى عليه الإجماع في روض الجنان لثاني الشّهيدين وجامع المقاصد لثاني المحقّقين بعد اتفاقهم على تواتر القرآن في الجملة هو تواتر القراءات السّبع المرويّة عن مشايخها السّبعة وهم نافع وأبو عمرو والكسائي وحمزة وابن عامر وابن كثير وعاصم وهو الَّذي صرّح به في محكي التّذكرة ونسب إلى الصّدوق والسيد والشّهيد في الذّكرى والشّيخ الطَّبرسي وألحق بالسّبعة في محكيّ الذّكرى أبو جعفر ويعقوب وخلف وخالف فيه عليّ بن طاوس في سعد السّعود ونجم الأئمّة والشّيخ الرّضي عند قول ابن الحاجب وإذا عطف المجرور أعيد الخافض وجمع ممّن قارب عصرنا فذهبوا إلى عدم تواتر الثّلاثة الأخيرة
وقبل الخوض في المسألة لا بدّ من رسم أمور بها يحرّر محلّ النّزاع والخلاف
الأوّل : أنّ محلّ النّزاع في تواتر القراءات ما إذا كانت جوهريّة تختلف باختلافها المعنى أو أعمّ من ذلك والَّذي نسب إلى الأكثر كون الخلاف مختصّا بالاختلاف الجوهري لا مطلق الاختلاف وإن لم يكن جوهريّا وهذا هو الظَّاهر وأمّا اعتبار اختلاف المعنى في محلّ النّزاع كما ادّعاه بعض فلم يثبت لنا بل ظاهرهم التّعميم
الثّاني : أنّ المراد من تواتر القراءات من مشايخها هل تواترها عنهم أو عن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله عن اللَّه تبارك وتعالى وجهان ظاهر غير واحد وصريح ثاني الشّهيدين في شرح الألفيّة الثّاني بل ربما يقال بل قيل بأنّه لا معنى للاختلاف في تواتر القراءات عن مشايخها مع عدم تواترها عن النّبي صلى الله عليه وآله إذ هو المدار في ثبوت القرآنيّة قال في محكيّ شرح الألفيّة واعلم أنّه ليس المراد أنّ كلّ ما ورد من هذه القراءات متواتر بل المراد انحصار المتواتر الآن فيما نقل من هذه القراءات فإنّ بعض ما نقل من السّبعة شاذّ فضلا عن غيرهم كما حقّقه جماعة من أهل هذا الشّأن والمعتبر القراءة بما تواتر من هذه القراءات وإن ركَّب بعضها في بعض ما لم يترتّب بعضها على بعض بحسب العربيّة فيجب مراعاته نحو فتلقّى آدم من ربّه كلمات فإنّه لا يجوز الرّفع فيهما ولا النّصب وإن كان كلّ منهما متواترا بأن يؤخذ رفع آدم من غير قراءة ابن كثير ورفع كلمات من قراءته فإنّ ذلك لا يصحّ لفساد المعنى ونحوه في الفساد وكفّلها زكريّا بالتشديد مع الرّفع أو بالعكس وقد نقل ابن الجوزي في النّثر عن أكثر القرّاء جواز ذلك أيضا واختار ما ذكرنا وأمّا اتّباع قراءة الواحد من العشرة في جميع السّور فغير واجب قطعا بل ولا مستحبّ فإنّ الكلّ من عند اللَّه نزل به الرّوح الأمين على قلب سيّد المرسلين تخفيفا من الأمّة وتهوينا على أهل هذه الملَّة وانحصار القراءات فيما ذكر أمر حادث
غير معروف في الزّمن السّابق بل كثير من الفضلاء أنكر ذلك خوفا من التباس الأمر وتوهم أنّ المراد من السّبعة هي الأحرف الَّتي ورد في النّقل أنّ القرآن أنزل عليها والأمر ليس كذلك فالواجب القراءة بما تواتر انتهى المحكي من كلامه رفع في الخلد مقامه وظاهر بعض الميل إلى الأوّل
واستشكل المحقّق القمّي قدّس سرّه في المقام كما يفصح عنه كلامه في القوانين حيث قال بعد جملة كلام له فيما يتعلَّق بالمقام ما هذا لفظه ( 3 )
أقول : الظَّاهر أنّ مراد الأصحاب ممّن يدّعي تواتر السّبعة أو العشرة هو تواترها عن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله عن اللَّه تعالى ويشكل ذلك بعد ما عرفت ما نقلناه في القانون السّابق
نعم ؛ إن كان مرادهم تواترها عن الأئمّة عليهم السلام بمعنى تجويزهم قراءتها والعمل على مقتضاها فهذا هو الَّذي يمكن أن يدّعى معلوميّتها من الشّارع لأمرهم بقراءة القرآن كما يقرأ النّاس وتقريرهم لأصحابهم على ذلك وهذا لا ينافي عدم علميّة صدورها عن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله ووقوع الزّيادة والنّقصان فيه والإذعان بذلك والسّكوت عمّا سواه أوفق بطريقة الاحتياط انتهى كلامه رفع مقامه
وقال السّيّد الجزائري فيما حكي عنه بعد منع التّواتر وذكر موافقة السيّد الأجلّ عليّ بن طاوس وجمع له ما هذا لفظه إنّهم نصّوا على أنّه كان لكلّ قار راويان يرويان قراءته
نعم ؛ اتّفق التّواتر في الطَّبقات اللَّاحقة وأيضا تواترها عنهم كيف تفيدوهم من آحاد المخالفين استبدّوا بآرائهم كما تقدّم واستنادهم إلى النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله إن ثبت فلا حجّة فيه مع أنّ كتب القراءة والتّفاسير مشحونة من قولهم قرأ حفص كذا وعاصم كذا وفي قراءة علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السّلام كذا بل ربما قالوا في قراءة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كذا كما يظهر من الاختلاف المذكور في قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضّالين انتهى كلامه
وهو وإن كان مردودا بما ذكره ثاني
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 94
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٩٤