القطعيّين سندا إلى الأصل لا إلى التّخيير ومن المعلوم أنّ قضيّة القاعدة المستفادة من أهل اللَّسان والعرف هو جواز العمل بظواهر القرآن وإن كان قضيّة الأصل الأوّلي حرمة العمل بما وراء العلم مطلقا على ما عرفت تفصيل القول فيه إلَّا أنّه لا يجوز الرجوع إليه بعد كون قضيّة القاعدة الثّانويّة في خصوص ظواهر الألفاظ الجواز على ما عرفت تفصيل القول فيها
قوله قدس سره : قلت هذه شبهة ربما تورد إلخ
أقول : لمّا كان مدرك وجوب الفحص عن المخصّص والمقيّد وغيرهما من الصّوارف للظَّواهر أمورا كالإجماع القولي والعملي والعلم بوجود الصّوارف للظَّواهر ونحوها ولم يكن مقتضى الأوّلين سقوط الظَّواهر عن الظَّهور والاعتبار كيف ومقتضاهما حجيّة الظَّواهر فإنّ مبنى وجوب الفحص هو التفحّص عمّا أوجب الشّارع العمل به كما أوجب العمل بهذا لأنّه راجع في الحقيقة إلى الفحص عن المعارض للدّليل الشّرعي وكان مقتضى الثّالث سقوط الظَّواهر عن الظَّهور لأنّ العلم الإجمالي كما يرفع موضوع الأصول العمليّة كذلك يرفع مناط اعتبار الأصول اللَّفظية أيضا إذا كان من سنخ ما يرفع اعتبار الأصول العمليّة مثل العلم الإجمالي في الشّبهة المحصورة في الجملة وشبهة الكثير في الكثير الَّتي ترجع إلى الشّبهة المحصورة حقيقة أو مطلقا على وجه ستقف عليه إن شاء اللَّه تعالى في طيّ أجزاء التّعليقة لا أن يكون مقتضيا لوجوب الفحص تعبّدا فلذا تمسّك به للأخباريين في المنع عن جواز العمل بظواهر الكتاب حتّى بعد الفحص كما هو مقتضى السّؤال
وبيان الشّبهة وتقريرها بعبارة أوضح وأوفى ممّا في الكتاب أنّه إمّا أن نقول بتأثير العلم الإجمالي بوجود الصّوارف للظَّواهر وإيجابه الإجمال فيها ورفع الظَّهور عنها كما يرفع اعتبار الأصول العمليّة في الجملة على ما هو التّحقيق عندنا وإمّا أن لا نقول بذلك فإن قلنا بتأثيره في ذلك فلا أثر للفحص إذا لم يحصل منه القطع بعدم وجود الصّارف لأنّ مقتضى كون الشّيء من أطراف العلم الإجمالي هو بقاء أثر العلم الإجمالي ما لم يقطع بخروجه عنها ومن المعلوم ضرورة أنّ مورد الرّجوع إلى الأصول اللفظيّة هي صورة الشّك في المراد وإلَّا لم يكن أصلا وهو خلف فلازم هذا الفرض هو التّوقّف وعدم العمل باللَّفظ لعدم ظهور له سواء كان قبل الفحص أو بعد الفحص لأنّ الفحص إنّما يكون مؤثرا فيما أوجب العلم بخروج الشيء عن أطراف العلم الإجمالي سواء كان في العمل بالأصول العمليّة أو اللفظيّة على ما عرفت الإشارة إليه ولذا لم يقل أحد بجواز التمسّك باللفظ المجمل بالذّات كالمشترك أو بالعرض كما في المتعارضين
بالتّعارض العموم من وجه بالنّسبة إلى مورد الاجتماع بعد الفحص عمّا أراده المتكلَّم منه ولم يذهب أحد إلى جواز التمسّك بالأصول العمليّة في صورة العلم الإجمالي ممّن قال بإيجابه رفع اعتبارها من جهة التّعارض أو غيره بعد الفحص عن المعلوم بالإجمال بالنّسبة إلى أحد أطراف الشّبهة ومن هنا تعرف النّظر فيما عليه جماعة من القول بكفاية الظَّن الحاصل من الفحص بعدم الصّارف للظَّواهر للزوم الحرج وتعطيل الأحكام لو بني على وجوب تحصيل العلم بعدم الصّارف توضيح النّظر أنّ مجرّد لزوم الحرج من تحصيل العلم بعدم الصّارف مع كون اللَّفظ من أطراف العلم الإجمالي لا يوجب ظهور اللَّفظ في المراد والكشف عنه بنفسه الَّذي هو المدار في ظواهر الألفاظ وأمّا الظَّن الحاصل من الفحص بعدم الصّارف المستلزم للظَّن بالمراد على تقدير تسليم حصوله والغضّ عمّا أورد عليه بأنّ غاية ما يحصل من الفحص الظَّن بعدم القرينة فيما بأيدينا لا مطلقا فليس دليل على اعتباره لأنّه ليس ظنّا مستندا إلى اللَّفظ حتّى يدخل في ظواهر الألفاظ المعتبرة من حيث الخصوص فإن لم يكن هناك مانع من الرّجوع إلى الأصل براءة أو احتياطا أو غيرهما فليرجع إليه بعد التّوقف في مقام الاجتهاد وإلَّا فيبنى على حجيّة الظَّن المذكور من باب الظَّن المطلق الثّابت اعتباره بدليل الانسداد وهذا خلاف ما يقول به القائلون بالقول المذكور فإنّ ظاهرهم الالتزام باعتبار الظَّن المذكور من حيث دخوله تحت ظواهر الألفاظ الثّابتة اعتبارها من باب الظَّن الخاصّ مع أنّ قضيّة لزوم الحرج وتعطيل الأحكام ليست تحصيل الظَّن بعدم الصّارف بل الفحص بمقدار أوجب اليأس عن الوقوف على الصّارف مع أنّه لا معنى للفرق بين الظَّن الحاصل من الفحص وبين الحاصل من غيره من دون فحص بعد ما كان المناط هو حصول الظَّن بالمراد ولو من غير اللفظ ؛ فتأمّل
ومنه تبيّن أنّ القول بلزوم الفحص على تقدير القول بتأثير العلم الإجمالي في الإجمال ممّا لا معنى ولا محصّل له بعد بقاء الإجمال بعد الفحص أيضا كما أنّه يعلم منه أنّ المراد من كون وجوب التّوقف من آثار العلم الإجمالي كونه من آثاره بواسطة إيجابه الإجمال المقتضى للتّوقف هذا كله على تقدير القول بتأثير العلم الإجمالي فيما عرفت وإن لم نقل بتأثيره فيما ذكر فلا معنى للقول بلزومه لأنّه إمّا أن يكون المراد من الوجوب الثّابت له هو الوجوب النّفسي أو الوجوب الغيري فإن كان الأوّل فيرد عليه مضافا إلى أنّه لم يقل أحد بالوجوب النّفسي للفحص أنّه لم يقم على وجوب ذلك دليل وإن كان المراد هو الوجوب الغيري لرفع الإجمال ففيه أنّ مفروض الكلام على تقدير القول بعدم تأثير العلم الإجمالي في إجمال الأصول اللفظيّة كما هو مقتضى قول جماعة بالنّسبة إلى العلم الإجمالي القائم على خلاف الأصول العمليّة فلا معنى للوجوب الغيري على هذا القول كما هو ظاهر
ثمّ إنّه لا فرق على تقدير القول الأوّل بين وقوف المجتهد على عدّة من الصّوارف بعد الفحص وبين عدم وقوفه عليها لأنّ مجرّد الوقوف على الصّوارف بالنّسبة إلى غير المورد الذي
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 90
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٩٠