إلى القضاء أيضا بناء على هذا القول وأمّا على القول بكونه بالأمر الجديد الدّال على وجوب تدارك ما فاتت في الوقت كما هو قضيّة التحقيق الَّذي عليه المحقّقون نظرا إلى كون الوقت قيدا لأصل المطلوب بالأمر الأولي
فإن قلنا بأنّ المراد من الفوت هو مجرّد عدم الإتيان بالواجب وتركه في وقته وإن تدارك ما فات من مصلحة فعله في الوقت زائدا على تدارك المصلحة الزائدة الغير الملزمة الثّابتة في أوّل وقته فلا إشكال في أنّ قضيّة الأصل عدم الإجزاء أيضا بالنسبة إلى القضاء وإن قلنا بأنّ المراد من الفوت هو ترك الواجب في الوقت من حيث إنّ فيه مصلحة غير متداركة فلا إشكال في أنّ قضيّة الأصل الإجزاء بالنسبة إلى القضاء إلَّا على وجه أشار إليه شيخنا الأستاذ العلَّامة فيما ستقف عليه من كلامه فعلم من ذلك كلَّه أنّ لازم جعل الطريق على الوجه الأوّل والثّاني الذي ذهب إليه مخالفونا هو الإجزاء مطلقا بل لا يعقل عدم الإجزاء بناء عليه ولازم جعل الطريق على الوجه الثّالث عدم الإجزاء ومن هنا ذكر جماعة من الأصحاب منهم ثاني الشّهيدين من ثمرات القول بالتّصويب والتخطئة الإجزاء وعدمه
نعم ؛ ناقش شيخنا الأستاذ العلَّامة أدام اللَّه أظلاله فيما سيجيء من كلامه في كلام ثاني الشهيدين في تمهيد القواعد من حيث التّمثيل وقال وإن كان لتمثيله لذلك بالموضوعات محلّ نظر وهو كما ترى في محلَّه لاختصاص النّزاع في مسألة التخطئة والتصويب بالأمارات القائمة على الأحكام الشرعية الفرعيّة لاتفاقهم على كون المصيب في الموضوعات واحدا إذ ليست قابلة للجعل الشّرعي حتّى يقال بتعلَّق الجعل بها عند قيام ظنّ المجتهد بها أو قبله على طبقه حسبما يعلم اللَّه تعالى أنّ الأمارة تؤدّي إليه بحسب حصول الظَّن للمجتهدين المختلفين كما اتفقوا على كون المصيب في العقليّات من المجتهدين المختلفين وفي مداليل الكتاب والسّنة واحدا إذ ليست ممّا يتعلَّق بها الجعل ويقبل الاختلاف باختلاف الآراء وإنّما الاختلاف والنّزاع بين أهل الصّواب من المخطَّئة وأهل الخطاء من المصوّبة في الأمارات القائمة على الأحكام الشّرعيّة الكليّة
قوله قدس سره : إلَّا أن يراد غاية ما يلتزم به في المقام إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه قد يتوهّم من العبارة كون المراد من الحكم الظَّاهري عنده قدّس سرّه مجرّد المعذوريّة لكنّه كما ترى توهّم فاسد لا يليق بأدنى جاهل على ما عرفت سابقا بل المراد كون العذر لازما عقليّا للحكم الظَّاهري وكيف كان فتوضيح ما أفاده قدّس سرّه من النّظر في عدم وجوب القضاء على تقدير ترتّبه على الفوت بمعنى فوات مصلحة الواجب هو أنّ الَّذي يحكم العقل بلزوم وجوده في تشريع الحكم الظَّاهري وأمر الشّارع بسلوك الأمارة هو مطلق ما يرفع قبح الجعل من الشّارع مع التّمكن من الواقع ويكفي فيه محض تسهيل الأمر على المكلَّفين القادرين الَّذي هو لازم الوجود لجعل الحكم الظَّاهري ضرورة أن تعيين تحصيل العلم بالواقع لا يخلو من حرج وضيق نوعيّ وإن لم يكن حرجا في جميع الموارد وهذا المقدار يكفي في تشريع الحكم الظَّاهري كما أنّه قد يكتفى به في تشريع الحكم الواقعي على خلاف ما فيه المصلحة الملزمة والَّذي يعود إلى المكلَّف في تشريع ما يكون مبنيّا على التّخفيف ورفع الحرج هي مصلحة سائر التّكاليف السّهلة ونوع أحكام الشّرع بل الحكمة في تشريع الأحكام وتبليغها على وجه التّدريج هي ما ذكرنا ومن هنا ورد أنّه لم يمت بمكَّة بعد البعثة في عشر سنين من أظهر التوحيد واعتقد به وبالنبوّة إلَّا أدخله اللَّه تعالى الجنّة حيث لم يقع التّكليف إلَّا بالشّهادتين من حيث الإرفاق والمداراة حتّى تميل النّفوس بالإسلام ويرجع إليهم فائدة الإيمان ومن هنا قال صلَّى اللَّه عليه وآله إنّي بعثت على السّمحة السّهلة والمصلحة المذكورة كما ترى لا تمنع من صدق فوت مصلحة شخص الواجب في مورد مخالفة الأمارة للواقع فيمكن أن يقال علي هذا كون مقتضى القاعدة وجوب القضاء على تقدير ترتّبه على الفوت بالمعنى الَّذي عرفته
فافهم فإن شئت قلت إنّ مرجع ما ذكر إلى عدم لزوم المصلحة المتداركة في موارد الفوت أصلا وإنّ المسوغ لجعل الحكم الظَّاهري والوسائط بين الحجّة وخلقه ممّا يفضي إلى تفويت الواقع أحيانا إدراك مصالح سائر الأحكام وهذا كما ترى لا يختلف فيه الحال بين أنحاء انكشاف الخلاف
قوله قدس سره : ثمّ إنّ هذا كلَّه على ما اخترنا إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ القائل باقتضاء الأمر الظَّاهري الإجزاء من المخطَّئة لا بدّ من أن يقول بأنّ المقدار المتقدّم من المصلحة في تشريع الأحكام الظَّاهريّة المجامع للتخطئة يكفي في جبر مصلحة الواجب ولو انكشف الخطاء في الوقت فضلا عن خارجه وإن لم يكن مستقيما عندنا كما أنّه لا مناص لنا من الالتزام به بعد قيام الدّليل على الإجزاء في مورد من الموارد فإنّه أمر معقول ممكن عند شيخنا الأستاذ العلَّامة وإن كان مقتضى الأصل عدمه فإذا قام الدّليل عليه في مورد كيف يتخلَّص من لزوم التصويب الباطل فالإيراد مشترك الورود فلا بدّ من تصوير الإجزاء على وجه لا يلزمه التّصويب بأن يقال إنّ الشّارع رفع اليد عن المصلحة الملزمة من جهة التّسهيل وإن كان هذا محتاجا إلى الدّليل فيكون مقتضى الأصل عدم الإجزاء فامتثال الحكم الظَّاهري مع كونه ظاهريّا يجزي عن الواقع مع إطلاقه وعدم اشتراطه بشيء بعد قيام الدّليل على القناعة والكفاية فلا يلزمه التّصويب
فتأمّل فالتسهيل وإن كان قابلا لأن يلاحظه الشّارع في رفع التكليف إلَّا أنّ مجرّد القابليّة والإمكان لا ينفع ما لم يقم دليل على الإجزاء فافهم
قوله دام ظلَّه وبالجملة فحال الأمر بالعمل بالأمارة إلخ
أقول : قد عرفت اتّفاق الفريقين على التّخطئة في الموضوعات وأنّ الأمارة القائمة عليها لا يوجب جعلها
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 74
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٧٤