نقول بوجود الجهة في العمل بالطَّريق دون الواقع فيلزم التّصويب الباطل وهذا ليس إلَّا مفاد الوجه الثّاني هذا حاصل ما يقال في بيان السؤال المذكور
قوله قلت أمّا رجوع الوجه الثّالث إلى الوجه الثّاني إلخ
أقول : وضوح الفرق بين الوجهين ممّا لا يكاد أن يخفى على الأوائل فضلا عن الأواسط والأواخر فإنّ مرجع الوجه الثّاني إلى إنكار وجود الحكم الواقعي في حقّ من قامت الأمارة على خلافه في الواقع من جهة عدم وجود الجهة المقتضية له واقعا لفرض اشتراط وجوده بعدم قيام الأمارة على الخلاف فيكون الحكم الواقعي في حقّه ما أفادته الأمارة ومرجع الوجه الثّالث إلى بقاء الحكم الواقعي على حاله حتّى في حقّ من قامت الأمارة على خلافه لكون الجهة المقتضية له غير مقيّدة بعدم قيام الأمارة على الخلاف وأمّا وجود المصلحة في الأمر بالعمل بالطَّريق فهو غير مانع عن وجود المفسدة واقعا فيما قام على حكمه لأن معنى التدارك ليس منع المتدارك بالكسر عن وجود المتدارك بالفتح كيف وهو خلاف قضيّة معنى التّدارك كما هو واضح على من له أدنى خبرة بل جبر ما وقع المكلَّف فيه من المفسدة من جهة سلوك الأمارة فكيف يعقل إذا أن يكون وجود المصلحة مانعا عن أصل وجود الجهة في الفعل واقعا
وبعبارة أخرى مرجع الوجه الثّاني إلى جعل مدلول الأمارة في حقّ من قامت عنده أمارة على خلاف حكم العالمين حكما واقعيّا بحيث لو فرض زوال جهل المكلَّف وعلمه بالتّكليف لم يكن عليه شيء أصلا لإتيانه بما هو المكلَّف به له في الواقع بالفرض فيكون انقلاب علمه بالجهل نظير صيرورة المسافر حاضرا بعد الإتيان بصلاة القصر ومرجع الوجه الثّالث إلى وجوب ترتيب آثار الواجب الواقعي على ما قامت أمارة على وجوبه ما دامت قائمة أي ما لم يعلم المكلَّف بالواقع الَّذي يعبّر عنه بالحكم الظَّاهري المجعول في حقّ الجاهل بالحكم الثّابت له في الواقع من حيث جهله له فيجب إذا علم به ترتيب جميع آثار الواقع على مؤدّى الأمارة والالتزام بكون مؤدّاها هو الواقع النّفس الأمري من حيث ترتيب آثاره عليه ما دامت الأمارة قائمة لأنّه معنى طريقيّته إلى الواقع وكون مؤدّاها منزّلا منزلة الواقع بالجعل الظَّاهري فيجب إذا ترتيب جميع آثار الواجب الواقعي قبل الإتيان من جواز الدخول فيه بقصد الوجوب ونحوه وبعده من جواز فعل النّافلة ونحوه بعده إن قلنا بكون الموضوع في النّافلة في وقت الفريضة الفريضة الواقعيّة وأمّا إن قلنا
بكون الموضوع فيه الفريضة الفعليّة المنجزة فجواز الإتيان بالنّافلة بعده ليس من البناء على كونه الفريضة الواقعيّة حتّى يكون حكما ظاهريّا بل من حيث تحقّق موضوعه قطعا فيكون حكما واقعيّا فإذا فقدت بأن علم من قامت عنده بالحكم الواقعي فلا يخلو الأمر من أنّها إمّا أن يكون قائمة على وفق حكم العالمين أو على خلافه وعلى الأوّل فلا إشكال لعدم وجوب وجود المصلحة في سلوك الطَّريق حتى يتكلَّم فيه وعلى الثّاني فلا يخلو الأمر من أنّه إمّا أن يفرض عمل المكلَّف بمقتضى الأمارة وفوق شيء من المصلحة الواقعيّة بواسطة سلوكها وإمّا أن لا يفرض ذلك وعلى الثّاني فلا إشكال أيضا لما عرفت وعلى الأوّل فيجب أن يكون في سلوك الأمارة ما تدارك به ما فات من مصلحة الواقع من الجاهل وما وصل إليه من مفاسد المحرّمات الواقعيّة الَّتي ينافي وقت الواجب كفعل النّافلة بناء على شمول ما دلّ على المنع عنها في وقت الفريضة الفريضة الواقعيّة ونحوه لا مثل قصد الوجوب فيما ليس بواجب فإنّه جائز واقعا فإنّ الوجوب الَّذي يقصده الجاهل في الفرض هو الوجوب الظَّاهري المتحقّق قطعا فليس فيه مفسدة من حيث قصد الوجوب فيما ليس بواجب لكن يجب عليه أن يترتّب إذا أحكام عدم الإتيان بالواقع من أوّل الأمر لكون قضيّة اشتراك الحكم الواقعي بين العالم والجاهل بقاء الأمر الواقعي في حقّه لو فرض عدم فوته بواسطة سلوك الأمارة القائمة على خلافه ومع فوته قد فات عنه الواجب الواقعي بواسطة سلوك الأمارة وهو لا يمكن إلَّا بفرض بقاء الحكم الواقعي على كلّ تقدير فكيف يمكن مع هذا القول برجوع الوجه الثّالث إلى الوجه الثّاني
قوله فلو فرضنا العلم بعد خروج وقت الظَّهر إلخ
أقول : لمّا كان مقتضى جعل الأمارة على الوجه الثّالث بقاء الأمر الواقعي ما دام موضوعه باقيا لعدم تصرّف الأمارة القائمة على خلافه شيئا فيه بالفرض وتدارك المصلحة الموجودة في سلوكه ما فات من المكلَّف به يلزمه بحكم العقل مع قطع النّظر عن قيام الدّليل الشّرعي على الخلاف الرّافع لموضوع حكم العقل الإتيان بمقتضى الأمر الواقعي في الوقت لو كان انكشاف الخلاف فيه لبقائه المقتضى للامتثال بحكم العقل كما أنّه يلزمه بحكم العقل وجود مصلحة في سلوكه بقدر ما يتدارك به المصلحة الفائتة من المكلَّف في فعل الواجب في أوّل وقته ثمّ الأقرب إليه فالأقرب ومن هنا قلنا تبعا للمحقّقين إنّ امتثال الأمر الظَّاهري الشّرعيّ لا يقتضي الإجزاء عن الأمر الواقعي بالنّظر إلى القاعدة بالنّسبة إلى حكم الإعادة وإن جوّز العقل ورود الدّليل على الإجزاء من حيث كشفه عن وجود مصلحة يتدارك بها أصل مصلحة الواجب
فتأمّل إلَّا أنّه ليس ممّا يحكم به العقل قبل ورود الدّليل على الإجزاء لأن الذي يحكم به لزوم وجود مصلحة فيه يتدارك بها مقدار ما فات من مصلحة الواجب في أوّل الوقت واحتماله لا يجدي في رفع حكم العقل كما هو ظاهر كما أنّه يلزمه الإتيان به في خارج الوقت على القول بكون القضاء بالأمر الأوّل لو كان انكشاف الخلاف بعد خروج الوقت مع وجود مصلحة في أمر الشّارع بسلوك الأمارة يتدارك بها ما يفوت من الجاهل بواسطة ترك الفريضة في آخر وقتها ومن هنا يعلم أنّ مقتضى القاعدة عدم الإجزاء
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 73
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٧٣