تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
حتّى ينفك المخالفة الالتزاميّة عن المخالفة العمليّة فنحن نقول أيضا تحريرا لما هو المقصود بالبحث في المقام أنّ الوجوب والتّحريم اللَّذين تعلَّق العلم بأحدهما إمّا أن يكونا تعبّديّين أو يكونا توصّليين أو يكون أحدهما المعيّن تعبّديّا والآخر توصّليا أو يكون أحدهما لا على التّعيين في نظرنا تعبّديا والآخر توصّليا فإن كانا من القسم الأوّل فلا إشكال في خروجه عن محلّ البحث ودخوله في المخالفة العمليّة وإن كانا من القسم الثّاني وكان الزّمان واحدا فلا إشكال في دخوله في محلّ البحث لامتناع خلوّ المكلَّف عن الفعل الموافق لاحتمال الوجوب والتّرك الموافق لاحتمال الحرمة فعلى كلّ من التّقديرين قد أتي بما يكون موافقا لأحد الاحتمالين وإن كان إتيانه بعنوان الإباحة لأنّ المفروض كون كلّ منهما توصليا وإن كانا من القسم الرّابع فلا إشكال في دخوله في محلّ البحث بعد اتحاد الزّمان فإنّ مع اختيار أحد من الفعل والتّرك بعنوان الإباحة كما هو محلّ الفرض يحتمل الموافقة بحسب العمل للحكم المعلوم بالإجمال ولا يقطع بمخالفته بحسب العمل لاحتمال كون حكم الواقعة توصّليا ساقطا بما أقدم إليه من الفعل أو التّرك وبالجملة دخول هذا القسم في محلّ البحث أمر ظاهر لا سترة فيه إن شاء اللَّه تعالى وإن لم يكن في الوضوح كالقسم الثّاني وإنّما الإشكال في القسم الثّالث فظاهر الأستاذ العلامة قدس سره خروجه عن محلّ البحث ودخوله في المخالفة العمليّة كما هو ظاهره في الجزء الثّاني من الكتاب أيضا إلا أنّه قد يتأمّل فيه بأنّ هذا القول بإطلاقه ممّا لا معنى له فإنّه قد يختار المكلَّف الإتيان بما يكون موافقا للحكم التوصّلي على تقدير ثبوته فلا يقطع بالمخالفة من حيث العمل أيضا نعم ؛ لو اختار بعد الالتزام بالإباحة ما يكون موردا للحكم التعبّدي يقطع بالمخالفة من حيث العمل كما هو واضح هذا ولكن يمكن التّفصي عن الإشكال المذكور بأنّ أخذ القيد المذكور ليس لإخراجه عن محلّ البحث على كلّ تقدير حتّى تورد عليه بما ذكر بل لبيان أنّه ليس داخلا فيه على كلّ تقدير حيث إنّ المقصود بيان ما يكون داخلا فيه كذلك وبهذا قد صرّح دام ظلَّه في مجلس البحث ولكنّك خبير بأنّ استفادته من العبارة في غاية الإشكال واللَّه العالم اللَّهمّ إلَّا أن يقال إنّ تجويز المخالفة الالتزاميّة فيما كان أحدهما المعيّن تعبّديّا تجويز للمخالفة العمليّة القطعيّة كما هو واضح ويقبح على الشّارع تجويزها على ما ستعرف وهذا وإن كان واضحا ويندفع بها الإيراد إلَّا أنّه قد يستشكل استفادته من ظاهر الكتاب فتأمّل ثمّ إنّ الوجه فيما ذكرنا من التقييد بالزّمان الواحد يظهر بعد هذا إلَّا أنّه غير مفروض الكتاب كما لا يخفى قوله فإنّ المخالفة هنا من حيث العمل إلخ أقول : لم يرد بذلك نفي ثبوت المخالفة من حيث الالتزام بل المراد إثبات المخالفة من حيث العمل في قبال القسم الأوّل أي المخالفة الالتزاميّة المحضة كما هو واضح لمن له أدنى دراية قوله أو بين حكمين لموضوعين إلى آخره أقول : ما ذكره مثالا للفرض ممّا لا شبهة فيه فإنّ موضوع الطَّهارة من الخبث ظاهر البدن والجسم وموضوع الحدث النّفس كما أنّ الطَّهارة المعنويّة والخباثة الظَّاهريّة على عكس ذلك فإنّ الأوّل من الحالات والأمور المعنويّة القائمة بالنّفس كالحدث حيث إنّه من الحالات الرّذيلة القائمة بالنّفس فالمكلَّف يعلم بعد التّوضي بالمائع المردّد بين الماء والبول غفلة بعروض أمرين مردّدين له إمّا الطَّهارة المعنويّة والظَّاهريّة على تقدير كون المائع ماء وإمّا الخباثة المعنويّة والظَّاهريّة على تقدير كونه بولا فالالتزام بظاهري من الأولين وواقعيّ من الأخيرين مستلزم للمخالفة القطعيّة الالتزاميّة بالنّسبة إلى حكم أحد الموضوعين فإنّ الظَّاهري من كلّ منهما ملازم للواقعي منه وكذا العكس فالتّفكيك بينهما مستلزم للقطع بالمخالفة من حيث التّلازم الثّابت بينهما بالفرض إلَّا أنّه لا قطع هنا بحسب العمل لأنّ كلَّا من الحكمين اللَّذين التزم بهما موافق لأحد احتمالي المائع هذا كلَّه بناء على القول بكون الطَّهارتين وما يقابلهما من المجعولات الشّرعية وإلَّا فلا بدّ من أن يلاحظ بالنّسبة إلى منشأ انتزاعهما من الأحكام التكليفيّة بناء على القول بكونهما من الأمور الاعتباريّة أو ما يترتّب عليهما من الأحكام الشّرعيّة على القول بكونهما من الأمور الخارجيّة الواقعيّة التي لا دخل لجعل الشّارع فيها كسائر الموضوعات الخارجيّة وأيّا ما كان لا بدّ من أن يراعى في البيان ما ذكرنا لا ما ذكره الأستاذ العلامة دام ظلَّه فإنّ ظاهر كلامه كما هو ظاهر لكلّ من له أدنى دراية كون الالتزام بطهارة البدن والحدث مخالفة من حيث الالتزام مع أنّ الأمر ليس كذلك كما عرفت فإنّها نفس ما يلتزم بها في مرحلة الظَّاهر المخالف لما هو الثّابت في الواقع قطعا لا من الأمر الواقعي الَّذي التزم بخلافه فإنّه وإن كان قد يدفع الإشكال عن كلامه بأن المقصود منه هو التّمثيل للحكمين الثّابتين لموضوعين من حيث تعدّد الموضوع لا من حيث كون الحكمين من الملتزم به أو من الملتزم بخلافه إلَّا أنّه كما ترى هذا مع أنّه قد يناقش في مثال الحكمين لموضوعين بأنّه مثال في غير مورد العلم الإجمالي بالتّكليف الإلزامي كما هو المفروض فليس مثالا للمقام وإن كان مثالا للمخالفة الالتزاميّة بقول مطلق نعم ؛ قد يفرض في مورد المثال المذكور العلم الإجمالي بالتكليف لكنّه بعيد وعلى فرض التحقّق خارج عن محلّ كلامه قدّس سرّه فتأمّل ثمّ إنّ الوجه للتّقييد بالغفلة ممّا لا يكاد يخفى على من له أدنى دراية فإن التّوضي مع الالتفات بأمر المائع وتردّده بين الماء والبول وكذا الغسل به مع الالتفات إليه فاسد جزما وإن كان في الواقع ماء لانتفاء قصد القربة جزما وأصالة عدم كونه بولا لا ينفع في كونه ماء على تقدير الجريان إلَّا بناء على القول