الإجماليّة هذا مضافا إلى ما عرفت من أنّ دلالته على وجوب تحصيل التّفاصيل بالنّسبة إلى معرفة اللَّه تعالى لا يثبت الكليّة وأمّا آية الإنذار والتّفقّه في الدّين وما يساوقها فلا دلالة لها على المدّعى أصلا فإنّ حملها على الوجوب العيني كما هو المدّعى مضافا إلى منافاته لظاهرها بل صريحها خلاف ما اتّفق عليه الكلّ من الاستدلال بها على الوجوب الكفائي
هذا مضافا إلى أنّ شمول آيات التّفقه وأخباره للفروع مسلَّم مفروغ عنه ولم يقل أحد بوجوب المعرفة العينيّة على كلّ مكلَّف بالنّسبة إلى الفروع اللَّهمّ إلَّا على تقدير حمل التّفقّه على ما يشمل التّقليد وهو خلاف المدّعى كما لا يخفى وأمّا ما دلّ من الآيات والأخبار على طلب العلم أو كونه فريضة على كلّ مكلَّف فلا بدّ من أن يحمل على الوجوب الكفائي أو المهملة أو يلتزم بإخراج الفروع عنه بل غير الأصول فإنّ العلم لا اختصاص له بخصوص الأحكام الشّرعيّة ضرورة شموله لغيرها اللَّهمّ إلَّا أن يستظهر إرادة خصوص العلوم الشّرعيّة بقرينة تعلَّق الأمر به من الشّارع إلى غير ذلك من المحامل المنافية للمدّعى كما لا يخفى ومن هنا ذكر المطلب في الكتاب على سبيل الاحتمال والإمكان لا على سبيل الجزم والظَّهور مضافا إلى ما أفاده في ردّ توهّم من زعم كون الاشتغال بالعلم المتكفّل لمعرفة اللَّه تعالى ومعرفة أوليائه صلى الله عليه وآله أهمّ من الاشتغال بعلم المسائل العمليّة بل كونه متعيّنا من حيث إنّ العمل يصحّ عن تقليد فلا يكون الاشتغال بعلمه إلَّا كفائيّا وهذا بخلاف المسائل الاعتقاديّة بقوله قدس سره ولكن الإنصاف عمّن جانب الاعتساف يقتضي الإذعان بعدم التّمكَّن من ذلك إلَّا للأوحدي من النّاس إلى آخر ما أفاده والمستفاد منه وممّا أفاده في مجلس البحث في ردّ التّوهم المذكور يرجع إلى وجوه
أحدها : عدم إمكان الاجتهاد وتحصيل المعرفة في تفاصيل الأصول من دون تحصيل ملكة الاجتهاد في الفروع لأنّ أكثر التّفاصيل إن لم يكن كلَّها تثبت إمّا بالنّقل محضا وإمّا بالنّقل بضميمة العقل ومعلوم أنّ الشّخص إن قدر على تحصيل الحكم من الدّليل النّقلي فلا معنى للفرق بين الحكمين فهو قادر على تحصيل الحكم الفرعي أيضا وإن لم يقدر عليه فلا فرق بينهما أيضا فإنّ فهم الحكم من الآيات والأخبار ودفع معارضاتها بالتّرجيح أو بغيره مشترك بين الحكمين
بل ربما كان استفادة الحكم الأصولي محتاجة إلى مزيد قوّة لئلَّا يأخذ بالنّقل المخالف لحكم العقل فالقول بأنّه لا يجوز الاشتغال بتحصيل ملكة الاستنباط في الفروع إلَّا بعد الاجتهاد في تفاصيل المعارف فاسد جدّ العدم تعقّل الانفكاك وهذا معنى قوله في الكتاب ومثل هذا الشّخص مجتهد في الفروع قطعا
ثانيها : تسليم الانفكاك لكن نقول إنّ في زماننا وأشباهه لا يمكن تحصيل تفاصيل المعارف لأنّ الآيات والأخبار الواردة فيها الَّتي يمكن استفادتها منها ظنيّة أو متعارضة فلا يجوز التّعويل عليها بناء على ما عرفت تفصيل القول فيه من عدم اعتبار الظَّن مطلقا في العقائد
ثالثها : أنّه على تقدير إمكان الانفكاك إمّا مطلقا أو فيما كان الدّال على الحكم الأصولي المفصّل العقل فقط وإمكان تحصيل العلم من الآيات والأخبار أو نقول بحجيّة الظَّن الحاصل منها بالنّسبة إلى الأصول كالفروع على ما زعم نقول إنّه لا دليل على تعيّن الاجتهاد في الأصول في حقّ من يقدر على الاجتهاد فيهما على ما هو المفروض فإنّ الاجتهاد في الفروع وإن كان له بدل بالنّسبة إلى العمل حسبما ذكره المتوهّم إلَّا أنّه لا بدل له بالنّسبة إلى الإفتاء والحكم وسائر ما يحتاج إليه النّاس من تصرّفات المجتهد والقول بأنّه يكفي وجود جمع من المجتهدين لرفع جميع الحوائج لجميع من في البلاد والقرى شطط من الكلام لأنّ أهل كلّ بلدة يحتاجون إلى جمع من المجتهدين وأكثر القرى يحتاج إلى مجتهد هذا كلَّه إذا لم نقل بوجوب الاجتهاد عينا على من يجد في نفسه القوّة القريبة وإلَّا كما اختاره شيخنا قدس سره نظرا إلى توقّف بقاء هذا النّوع الَّذي يرفع به حوائج النّاس على اشتغال هذا النّوع دائما في كلّ زمان وعصر بل وأدون منه فالأمر أوضح لأنّه يجب على القادرين الاشتغال بالتّحصيل عينا لئلَّا يخلو الزّمان من المجتهدين ممّن به الكفاية في زمان فوت الموجودين
نعم ؛ لو فرض حصول القطع لشخص بوجود من به الكفاية في كلّ زمان بحيث لا يحتاج إليه أصلا حكم بوجوب تحصيل تفاصيل المعارف الحقّة في حقّه على ما ذكره المتوهّم لكن هذا مجرّد فرض غير واقع سيّما في أمثال زماننا هذا كلَّه مضافا إلى أنّ العمل المبتني على التّقليد وعدم المعرفة بالأحكام الإلهيّة ربما يمنع من حصول المعارف الحقّة كما أشار إليه قدس سره في الكتاب هذا ولكن يمكن المناقشة فيما أفاده
أمّا في الوجه الأوّل الرّاجع إلى عدم التّفكيك بين الاجتهادين فبأنّ علم الأصول والفروع متغايران لا دخل لأحدهما بالآخر ومجرّد كون مدرك تفاصيل المعارف الكتاب والسّنة لا يوجب كون القادر على تحصيلها منهما من جهة كثرة مزاولته بالمسائل الأصوليّة قادرا على الاجتهاد في الفروع كيف واستنباط الفروع منهما يحتاج مضافا إلى معرفة الألفاظ وأحكام التّعارض إلى ممارسة تامّة والأنس بالفروع والاطَّلاع على الفتاوى وغير ذلك هذا على القول بعدم إمكان التّجزي في الفروع وإلَّا فالأمر أوضح فإنّه إذا أمكن التّجزي في الفروع كان التّجزي بين العلمين أولى بالإمكان كما هو واضح
وأمّا في الوجه الثّاني فبأنّ منع حصول المعرفة من الدّليل النّقلي ولو بواسطة العقل على سبيل الكليّة خلاف الإنصاف بل خلاف الفرض
وأمّا في الوجه الثّالث فبأنّ الكفاية وإن لم يحصل بمجتهد واحد في الفروع لمسيس الحاجة إلى أزيد منه على القول بعدم جواز
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 280
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٨٠