تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
دلّ على وجوب تحصيل المعرفة والفحص في مظانّ حصول الاعتقاد فإنّه وإن كان ظنّا في العمليّات ابتداء إلَّا أنّه لا معنى للحكم بحجيّة الظَّن لأنّ العمل المتعلَّق للوجوب في الفرض إنّما يكون مقدّمة للمسألة الأصوليّة فإذا لم يكن الظَّن حجّة فيها لم يعقل الحكم بحجيّته بالنّسبة إلى تلك المسألة أيضا لقضيّة الاستتباع والتّلازم بين وجوب المقدّمة وذيها فإن شئت قلت إنّما يكون الظَّن في حكم المقدّمة حجّة إذا أمكن استكشاف حكم ذي المقدّمة منه بأن كانا عمليّين وأمّا إذا لم يكن الاستكشاف المذكور كما في المقام فلا معنى للحكم بحجيّة الظَّن بالنّسبة إلى حكم المقدمة لعدم إمكان التّفكيك بين الحكمين في حكم العقل كما هو ظاهر هذا ولكنّك خبير بأنّه توهّم فاسد وتمحّل بارد لأنّ ما قدّمنا من الحكم بعدم حجيّة الظَّن في الاعتقاديّات وذكره الأكثر إنّما هو بالنّسبة إلى التّدين بمتعلَّق الاعتقاد مع عدم العلم به كالتّديّن بتفويض الأحكام إلى النّبي صلى الله عليه وآله وتفضيل بعض الأنبياء أو الأوصياء على بعض أو كيفيّة علمهم بالأشياء من حيث كونه حصوليّا أو إراديّا أو حضوريّا إلى غير ذلك بمجرّد قيام الظَّن بالمذكورات وهذا لا تعلَّق له بإمكان إثبات وجوب الاعتقاد وتحصيل العلم بالظَّن أصلا كما لا يخفى سواء فرض تعلَّقه بنفس الاعتقاد الَّذي يسمّى بالمسألة الأصوليّة أو بمقدّماتها لأنّ المانع من الحكم بحجيّة الظَّن في الأصول لم يكن إلَّا كون الأثر من آثار الاعتقاد كما في التّدين وهذا لا دخل له بالمقام وقد عرفت أنّه لو لم يكن التّديّن بالواقعيّات في الأصول من آثار الاعتقاد بها لم يكن مانع من الحكم بوجوبه فقد ظهر ممّا ذكرنا دفع التّوهم على كلّ من تقدير دلالة الظَّن على وجوب تحصيل المعرفة أو الاعتقاد هذا وقد يتوهّم في الدّفع عن التّوهم المذكور جواب آخر وهو أنّه إذا فرض الشّك في مدخليّة شيء للإيمان فيحكم العقل بوجوب تحصيله دفعا للخوف واحتمال الضّرر في تركه ولا يجري في المقام قاعدة قبح العقاب من غير بيان حتّى يوجب الأمن من الضّرر لكونه من قبيل النّظر في المعجزة وهذا حال الشّك فيه ويثبت منه حكم وجوب العمل بالظَّن بالأولويّة القطعيّة ضرورة كون الظَّن بذلك أولى بالحكم من الشّك فيه هذا ولكنّك خبير بأنّه توهّم فاسد أمّا أوّلا فلأنّ قياس المقام بمسألة النّظر في المعجزة قياس مع الفارق لا دخل له بها أصلا لأنّ العلم بوجوب النّظر في المعجزة لا يمكن أن يحصل بدونها بمقتضى جريان العادة من اللَّه تعالى وهذا بخلاف المقام لإمكان العلم بوجوب تحصيل العلم والاعتقاد مع عدم حصولهما أصلا فيرجع إلى البراءة فيه بعد الفحص التّام من الدّليل الدّال عليه واليأس عنه كما في غيره ممّا يرجع فيه إلى البراءة بعد الفحص من الشّبهات الحكميّة فإن شئت قلت الرّجوع إلى البراءة في مسألة النّظر في المعجزة يوجب إقحام الأنبياء فلا معنى لجوازه وهذا بخلاف المقام فلا يقاس أحدهما بالآخر وبعبارة أخرى الرّجوع إلى البراءة في كلّ حكم إلهي يتوقّف على الفحص عنه بالإجماع والعقل بل بالأدلَّة الأربعة حيث إنّ وجوب المسألة على الجاهل بالحكم الثّابت بالكتاب والسّنة قاض بوجوب الفحص عليه كما هو ظاهر وفي مسألة النّظر لا يحصل الفحص إلَّا بالنّظر فيجب وبعده يرتفع الشّك المقتضي للرّجوع إلى البراءة وهذا بخلاف المقام فلا يجوز القياس وأمّا ثانيا فلأنّه على تقدير تسليم كون المقام من قبيل المسألة المذكورة لا دخل له بمسألة حجيّة الظَّن لأنّ حكم العقل على تقدير تسليمه حسبما قرّره في التّوهّم مبنيّ على مجرّد الاحتمال من غير مدخليّة للظَّن من حيث هو ظنّ أصلا ثمّ إنّ ما ذكرناه وإن كان متعيّنا على تقدير قيام دليل على وجوب تحصيل المعرفة ولو عموما بأيّ المعنيين والوجهين إلَّا أنّ الظَّاهر عدم قيام دليل كذلك على وجوب تحصيل المعرفة بمعنى اشتراطه في الإيمان بل مقتضى الأخبار المستفيضة إن لم تكن متواترة خلافه كما ستعرف ممّا أفاده قدس سره هذا كلَّه ممّا لا إشكال فيه وإنّما الإشكال فيما استدلّ به قدس سره لعموم وجوب المعرفة نفسا من غير أن يكون شرطا للإيمان فلا بدّ من صرف الكلام إليه فنقول : إنّ الاستدلال بما ذكره على وجوب معرفة تفاصيل العقائد نفسا وإن كان من الأدلَّة الظَّنيّة باعتبار الصّدور أو الدّلالة وإن كان مستقيما على تقدير تسليم دلالته نظرا إلى كون المسألة من الفروع حقيقة على ما عرفت من مطاوي كلماتنا فلا تغتر بما قيل من أنّ الاستدلال به تعلَّق بالظَّن في المسألة الأصوليّة الاعتقادية فلا يجوز كما اعترف به المصنف إلَّا أنّ الكلام في دلالته على المدّعى فإنّ الآية الشّريفة وهو قوله تعالى وما خلقت الجنّ والإنس الآية على تقدير دلالتها على وجوب المعرفة والإغماض عمّا يقال من كونها غاية لفعل اللَّه تعالى شأنه فيترتّب عليه قهرا من حيث كونها فطريّا إلهاميّا إلهيّا ولو في الجملة لا عموم لها بالنّسبة إلى جميع مراتب معرفة اللَّه تعالى ممّا يمكن تحصيله للبشر لم لا يكون المراد المعرفة في الجملة الَّتي هي شرط للإيمان ومعتبرة فيه يقينا هذا كلَّه مضافا إلى أنّ دلالتها على وجوب جميع مراتب معرفة اللَّه تعالى الممكنة للعباد لا يثبت المدّعى وهو وجوب معرفة جميع تفاصيل المعارف الحقّة والقول برجوعها إلى معرفة اللَّه تعالى كما ترى اللَّهم إلَّا أن يتمسّك للتعميم بعدم القول بالفصل فتأمّل هذا بالنّسبة إلى الآية الشّريفة وأمّا قوله صلى الله عليه وآله لا أعلم بعد المعرفة شيئا الحديث ففيه بعد الغضّ عمّا يقال من أنّ الأفضليّة بمعنى الأكثرية أجرا وثوابا لا يلازم الوجوب ومن هنا كان السّلام أفضل من الجواب مع كون التحيّة مستحبّة والرّد واجبا منع دلالته على العموم إذ الظَّاهر منه معرفة اللَّه تعالى المعهودة الواجبة على كلّ أحد من حيث كونها شرطا للإيمان فيحمل على المعرفة