تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
إنّه يعلم ممّا ذكرنا كلَّه فساد ما قيل أو يقال من أنّ هنا شيئا آخر معتبرا في الإيمان غير مجرّد العلم وهو الحبّ في قبال العناد والعزم على الإقرار وغير ذلك فإنّ اعتبار هذه الأمور في الإيمان على القول به لا تعلَّق له بمغايرة العلم للاعتقاد وإن عقد القلب بشيء غير العلم به فإنّ وجود أمور قلبيّة غير العلم سواء اعتبرت في الإيمان أو بعض مراتبه أو لا ممّا لا ننكره أصلا كما أنّه يظهر منه فساد الاستشهاد بالآيات والأخبار الظَّاهرة في اعتبار القول والإقرار زائدا على الاعتقاد في الإيمان والإيجاب الإنكار والجحود للكفر مثل قوله تعالى والَّذين يقولون آمنّا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم وقوله تعالى قولوا آمنّا باللَّه وما أنزل إلينا إلى غير ذلك من الآيات والأخبار الَّتي ستمرّ عليك ثمّ إنّ هنا قسما ثالثا لما أفاده من القسمين للعقائد الحقّة ليس ممّا يجب التّدين به ولو بعد العلم بثبوته من النّبي صلى الله عليه وآله إخباره به على سبيل الجزم واليقين وإن كان إنكاره بعد العلم بثبوته من النّبي صلى الله عليه وآله موجبا للكفر من حيث رجوعه إلى إنكار النّبوة وتكذيب النّبي صلى الله عليه وآله فإنّ تكذيبه ولو في أخباره العادية موجب للكفر قطعا وهو ما يرجع إلى بيان أمور واقعيّة لا تعلَّق لها بالدّين مثل بيان مبدأ خلق السّماء والأرض وحور العين والفصل بين كلّ سماء إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى بيان خلقة المخلوقات فإنّه ليس أمرا دينيّا اعتقاديّا بحيث يجب التّدين به والإقرار به وإن لم يجز إنكاره بعد العلم بثبوته من صاحب الشّرع هذا وتوهّم كون جميع ما بيّنه النّبي صلى الله عليه وآله من الدّين فاسد كما سننبّه عليه قوله قدس سره : لكن يمكن أن يقال إنّه إذا حصل الظَّن من المخبر إلخ أقول : لا يخفى عليك انحصار الأمر فيما أفاده بعد البناء على اتّحاد الاعتقاد الظَّني للظَّن على ما عرفت تحقيقه وإلَّا فيوجد هنا وجه آخر أهمل ذكره في الكتاب بملاحظة تخيّل أمر الحصر فيما أفاده كما أنّ مبناه على كون وجوب الإظهار والإقرار من الأحكام الشّرعيّة المترتّبة على نفس المعتقد أي الأمور الثّابتة الدّينيّة النّفس الأمريّة لا من الأحكام المترتّبة على خصوص الاعتقاد الجزمي بها ضرورة عدم قابليّتها لتعلَّق الجعل الظَّاهر بها على التّقدير المزبور وتوهّم كون إظهار المخبر به ممّا يقتضيه نفس دليل وجوب التّعبد بخبر العادل فلا يحتاج إلى جعله من آثار المخبر به في نفس الأمر مع قطع النّظر عن الأخبار ومن هنا ورد الأمر البليغ بنقل الأخبار المأثورة عن الأئمّة عليهم السلام والحثّ على كتبها وإيداعها في الكتب حتّى ينتفع بها الغائبون بل المعدومون ومن في أصلاب الرّجال كما ترى ضرورة أنّ مجرّد نقل الخبر من دون اعتقاد بثبوت مضمونه الَّذي هو الموضوع في تلك الأخبار لا يفيد في مسألة حجيّة خبر الواحد في العقائد أصلا لأنّ مجرّد النّقل غير إظهار النّاقل الاعتقاد بثبوته ولو في مرحلة الظَّاهر الَّذي هو المقصود بالبحث في المقام ولأجل ما ذكرنا يناقش فيما أفاده قدس سره كما يظهر من قوله بعد ذلك أيضا بأنّ الإقرار باللَّسان وإن كان ممكنا مع الظَّن الحاصل من الخبر بل مع الشّك بل مع القطع بالعدم أيضا إلَّا أنّ وجوبه مترتّب على الاعتقاد العلمي بالعقائد الحقّة كما يدلّ عليه قوله عليه السلام فرض اللَّسان التّعبير عمّا عقد عليه القلب الحديث فلا يمكن ثبوته مع فرض زوال الاعتقاد المزبور هذا وإن أردت تفصيل القول في المقام فاستمع لما يتلى عليك فنقول : وباللَّه الاستعانة إنّ المعارف بالمعنى الأعمّ على قسمين أحدهما : ما لا يكون من الدّين ولا دخل له بشريعة سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله مثل كيفيّة خلق السّماء والأرض والحور والقصور وغير ذلك ممّا عرفت الإشارة إليه عن قريب ثانيهما : ما يكون من الدّين لا يقال لا معنى للتّقسيم المذكور لأنّ كلّ ما بيّنه النّبي صلى الله عليه وآله يكون من الدّين لا محالة وإلَّا لم يبيّنه لأنّا نقول هذا غلط واضح وخلط ظاهر فإنّ الرّسول صلى الله عليه وآله قد يخبر عن الشّيء من حيث كونه شارعا ومبلَّغا عن اللَّه تعالى ومأمورا بتبليغه إلى العباد وقد يخبر عن الشّيء لا من الحيثيّة المذكورة بل من حيث كونه عالما بالغيب بإفاضة اللَّه سبحانه ومن المعلوم أنّ هذا لا يرجع إلى الإخبار عن الأمر الدّيني ثمّ الثّاني أي ما يكون من الدّين وشريعة سيّد المرسلين ينقسم على قسمين أحدهما ما يتعلَّق بالعمل بالمعنى الأعمّ من التّعلَّق الأوّلي الَّذي يسمّى بالحكم الفرعي والتّعلق الثّانوي وبالواسطة الَّذي يسمّى بالحكم الأصولي العملي ثانيهما ما يكون المقصود منه والغرض الأصلي الأوّلي المطلوب منه الاعتقاد وإن ترتّب عليه عمل أحيانا أمّا الأوّل أي ما لا دخل له بالدّين أصلا فلا إشكال في أنّه لا يجب التّدين به بعد حصول العلم به فضلا عن الظَّن به نعم لا يجوز إنكاره بعد ثبوته من حيث إيجابه لتكذيب النّبي صلى الله عليه وآله فيكون كفرا وأمّا الثّاني فما يتعلَّق منه بالعمل ولو بالواسطة فلا إشكال في إمكان التّعبد فيه بغير العلم بل وقوعه في الجملة على ما عرفت مفصّلا وإن كان مقتضى الأصل الأوّلي البناء فيه على عدم وقوع التّعبد وما يتعلَّق منه بالاعتقاد فقد عرفت سابقا أنّه على قسمين أحدهما ما يجب الاعتقاد به مطلقا فيجب تحصيل المعرفة به ثانيهما ما لا يجب فيه ذلك بل إن حصلت المعرفة به حصل الاعتقاد به قهرا ويجب التّديّن بمقتضاه والمعتقد في المقامين قد يكون أمرا إجماليّا بمعنى أنّه قد يجب الاعتقاد بشيء والتّدين به إجمالا سواء كان وجوبا مطلقا أو مشروطا بالمعنى الَّذي عرفته فلا يجب تحصيل تفصيله نعم لو حصل العلم به وجب التّديّن به من حيث كونه عين ما وجب الاعتقاد والتّدين به إجمالا ضرورة كون المفصّل عين المجمل وإن افترقا من حيث الإجمال والتّفصيل وقد يكون أمرا تفصيليّا ثمّ إنّ التّكلَّم في حكم الظَّن في القسمين على نحو