تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
الثّاني من الكتاب قوله قدس سره : وخامسا سلَّمنا العلم الإجمالي إلخ أقول : الوجه فيما أفاده تسليما من عدم إيجاب العلم الإجمالي بنصب الطَّرق الكافية الموجودة فيما بأيدينا من الأمارات مع الإغماض عن وجوب الاحتياط تعيّن الرّجوع إلى مفاد الطَّرق المجعولة بالمعنى المتوهّم للمستدلّ ما أسمعناك سابقا من أنّ حصر الحكم الفعلي في مؤدّيات الطَّرق وإن كان من جهة دلالة نفس الطَّرق عليه فهي ممنوعة جدّا ولم يتوهمه متوهّم أيضا بل لا يعقل دلالتها عليه كما هو ظاهر وإن كان من جهة دلالة دليل اعتبارها ووجوب العمل بها عليه من حيث ظهورها في الوجوب التّعييني فهي أشدّ منعا ضرورة أنّه لا معنى لتعيين إيجاب العمل بالطَّرق إلى الواقع في مقام التمكَّن من تحصيل نفس الواقع نعم ؛ يمكن تعلَّق الوجوب التّعييني بالعمل بالطَّرق في موضوع الجهل ما دام موجودا كما يتعلَّق الخطاب التّعييني بالتّمام ما دام المكلَّف حاضرا فيجوز له رفع الموضوع الموجب لرفع الحكم المتعيّن وإن كان من جهة دلالة العقل عليه من حيث إنّه يحكم بقبح المؤاخذة على مخالفة الواقع الَّتي أدّى إليها سلوك الطَّرق المجعولة فالواقع الَّذي أدّى الطَّريق إلى خلافه لا يؤاخذ على مخالفته وهذا معنى كون الحكم الفعلي تابعا لمؤدّى الطَّريق ففيه أنّ المعذوريّة بالمعنى المذكور لا يقتضي إلَّا ترخيص سلوك الطَّرق المجعولة عند وإن كانت مخالفة للواقع في نفس الأمر لا عدم جواز تحصيل الواقع عند العقل وعدم القناعة به في رفع المؤاخذة هذا فإن شئت قلت إنّ لازم العلم الإجمالي بالخطابات الواقعيّة والأحكام الشّرعيّة الإلزاميّة في حكم العقل تنجّزها عنده غاية ما هناك كون سلوك الطَّريق المجعول علما أو ظنّا عند العجز عن تحصيل العلم بالواقع والطَّريق موجبا لمعذوريّة المكلَّف عند العقل عند المخالفة كما أنّ العمل بالواقع علما أو ظنّا عند تماميّة مقدّمات الانسداد موجب للأمن من العقاب عند العقل فغاية ما يتصوّر للظَّن بالطَّريق كونه في مرتبة الظَّن بالواقع بناء على تقرير الحكومة فكيف يحكم بتقدّمه عليه ولا فرق فيما ذكرنا بين كون الطَّريق المجعول مجعولا مطلقا حتّى عند التّمكن من تحصيل العلم التّفصيلي بالواقع فيسمّى عندهم بالظَّن الخاصّ المطلق فيجوز للمكلَّف عند العقل الأخذ بمؤدّى الطَّريق والقناعة به عن الواقع ما لم ينكشف الخطأ وإن جاز معه تحصيل الواقع علما أيضا كما أنّه يجوز له من أوّل الأمر تحصيل العلم بالواقع فيرتفع موضوع الطَّريق المجعول في حقّ الجاهل بالواقع فليس جواز الأمرين في حقّه من التّخيير الشّرعي الاصطلاحي وإن هو إلا نظير القول بجواز اختيار السّفر للحاضر الموجب لرفع موضوع التّمام وهذا الَّذي ذكرنا مراده قدس سره من التّخيير في قوله مثلا إذا فرضنا حجيّة الخبر مع الانفتاح تخيّر المكلَّف إلى آخره لا ما يتوهّمه من لا خبرة له وبين كونه مجعولا عند العجز عن تحصيل الواقع فيسمّى بالظَّن الخاصّ المقيّد فإنّ تقديم سلوكه على الظَّن بالواقع إنما هو مع التّمكن من تحصيل العلم به من حيث إنّه موجب للقطع بمعذوريّة المكلَّف في مخالفة الواقع وسقوطه عنه في مرحلة الظَّاهر والظَّن بالواقع لا يوجبه مع التّمكن من تحصيل الطَّريق المذكور علما وإن أوجبه مع العجز عنه في حكم العقل كالظَّن بالطَّريق بناء على الحكومة ثمّ إنّه كما يتعيّن سلوك الطَّريق المجعول بقسميه مع التمكن من تحصيل العلم به أو تحصيله من الطَّرق الشّرعيّة المعتبرة بالخصوص في مقابل الظَّن المطلق بالواقع كذلك يتعيّن سلوكه في مقابل الاحتياط الكلَّي بالنّسبة إلى الواقع أمّا على القول بتقديم الامتثال التّفصيلي المعتبر على الامتثال الإجمالي العلميّ على ما عرفت الكلام فيه في محلَّه فواضح وأمّا على القول بجواز الامتثال الإجمالي مع التمكَّن من الامتثال التّفصيلي فلإيجابه الاختلال الَّذي يحكم العقل بقبح تجويز ما يوجبه والاحتياط الكلَّي في الأحكام الشّرعيّة مع فرض انسداد باب العلم في أغلبها يوجب ذلك قطعا على ما عرفت الكلام فيه في طي المقدّمات ومنه يظهر أنّ ما ذكرنا في طي التّعليقة وذكره شيخنا قدس سره في مطاوي كلماته من كون الامتثال العلمي الإجمالي ممّا يحكم العقل والنّقل بحسنه ورجحانه وجوازه حتّى مع التّمكن من الامتثال العلمي التّفصيلي فضلا عن التّمكن من الامتثال الظَّني التّفصيلي بالظَّن الخاصّ فضلا عن الظَّن المطلق فإنّما هو بالنّظر إلى القضيّة الطبيعيّة وملاحظته في نفسه والأخذ به في الجملة لا في جميع الأحكام فإنّه قبيح في حكم العقل من حيث استلزامه للقبح فما ذكرنا مرارا وقرع سمعك من صحّة عمل المحتاط التّارك لطريقي الاجتهاد والتّقليد إنّما هو فيما إذا بني على الاحتياط في بعض الأحكام المثبتة لا في جميعها نعم ؛ لو لم يبلغ الحرج اللَّازم من الاحتياط في جميع أحكام المشتبه حدّا يخلّ بنظام المعاش والمعاد لم يمنع تعسّره من جوازه ورجحانه وإن منع من إيجابه لأنّ رفع ما يوجب العسر الغير البالغ حدّ الاختلال إنّما هو بحكم الشّرع فقط على ما عرفت مرارا في قبال من تخيّل كون رفعه عقليّا أيضا والدّليل الشّرعي القائم عليه لا يدلّ إلَّا على أنّ الشّارع لم يوجب الأمر الحرجي على العباد ومن هنا حكمنا بصحّة الوضوء والغسل والصّوم ونحوها مع الحرج الَّذي لا يحتمل عادة وحكمنا بفسادها مع لزوم الضّرر من فعلها على المكلَّف ومنه يظهر أنّه لا يمنع تعسّره من إيجابه تخييرا أيضا فلا يقال إنّه كيف يقصد الوضوء للصّلاة الواجبة فيما كان عسرا مع أنّ الأمر الإيجابي يقتضي إيجاب مقدّماته فإنّا نلتزم في موارد تعسّر الطَّهارة المائيّة بالتّخيير بينها والطَّهارة التّرابية
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 210 | ميرزا محمد حسن الآشتياني