وإن كان المختار عندنا في هذه المسألة وجوب رجوعه إلى قول الأموات من المجتهدين في المسألة الَّتي لا يجد فيها رأي الأحياء أو الأخذ بالاحتياط إذا لم يكن عسرا حسبما فصّلنا القول فيه في باب التّقليد خلافا لما اختاره شيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره وممّا ذكرنا كلَّه يظهر لك المراد من قول شيخنا قدس سره لم يجب عليه العمل بالظَّن في تعيين المجتهد بل وجب عليه العمل بظنّه في تعيين الحكم الواقعي فإنّ الوجوب المنفي في كلامه هو الوجوب التّعييني كما أنّ المثبت هو الوجوب التّخييري لأنّ إرادة غير ما ذكرنا لا يجامع المفروض في كلامه نعم ؛ لو كان المفروض قبل هذا القول قدرة العامي على إعمال الأمارات المضبوطة في الأحكام وعجزه عن إعمالها في تعيين المرجع تعيّن حمل الوجوب المثبت على التّعيين والمنفي على أصل الوجوب مع عدم الجواز كما هو ظاهر فافهم قوله قدس سره : هذا مع إمكان أن يقال إنّ مسألة عمل القاضي بالظَّن إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّ ما أفاده قدس سره مجرّد إبداء احتمال ولذا عبّر بالإمكان وقد حكي عن بعض القدماء المصير إليه في باب القضاء ولأجله منع من قضاء القاضي بعلمه وإن جوّز عمله به وإلَّا فالَّذي يقتضيه الأدلَّة واختاره شيخنا قدس سره في باب القضاء وأكثر الفقهاء بل ادّعى عليه الإجماع لزوم قضائه بعلمه بل لا يعقل منعه بعد كونه مأمورا بالقضاء بالحقّ والقسط وتنزيل الأدلَّة على خصوص القضاء في الشّبهات الحكميّة كما ترى ولا ينافي ذلك ما دلّ على حصر القضاء من النّبي صلى الله عليه وآله بالبيّنة والأيمان ( 1 ) وكذا غيره ممّا دلّ على الحصر بقول مطلق فإنّ المراد من الأوّل قضاء النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله بالحقّ الواقعي على طبق البيّنة واليمين كيف وجعل الحكم الظَّاهري في حقّه غير معقول ومن الثّاني الحصر بالإضافة إلى غيرهما من الأمارات هذا وإن أردت شرح القول في ذلك فراجع إلى ما علَّقناه في الكتاب في مسألة البحث عن العلم فإنّا قد استوفينا الكلام فيما يتعلَّق بالمقام نقضا وإبراما وإلى ما كتبناه في باب القضاء من الفقه وقد ذكرنا هناك ما يدلَّك على أنّ شرع القضاء بالموازين المقرّرة ليس على السّببيّة المحضة بحيث لم يلاحظ الطَّريقيّة فيها أصلا ورأسا بل على الطَّريقيّة والكشف النّوعي حتّى في مسألة القرعة كما يظهر من أخبارها مع أنّ عدم ملاحظة الكشف لا يلازم إعراض الشّارع عن الواقع رأسا بحيث لو علم بخطاء البيّنة بالنّسبة إلى الواقع حكم بكونها حجّة غاية ما هناك كون اعتبارها من باب التعبّد الصّرف كاعتبار الأصول في مجاريها مثل الاستصحاب ولا يلزم من اعتبارها على هذا الوجه إعراض الشّارع عن الواقع في مواردها بحيث يقيّد الواقع بها حتّى يشبه التّصويب الَّذي اتّفقت كلمة العامّة على بطلانه في الموضوعات اللَّهمّ إلَّا أن يكون مراده قدس سره من الإعراض عدم ملاحظة الطَّريقيّة في جعلها لا رفع اليد عن الواقع رأسا في مواردها فيرجع إلى ما ذكرنا من احتمال التعبّد في جعلها ويترتّب عليه ما أفاده من عدم التّسوية بين إعمال الأمارة في تشخيص الطَّريق وإعمالها في تشخيص الواقع على هذا التّقدير أيضا كما يترتّب على ما يقتضيه ظاهر العبارة في النّظر الأوّل وإن كان بينهما فرق في الوضوح والخفاء من حيث التّرتب المذكور واللَّازم المنظور ومنه يظهر أنّه يمكن الفرق بين المقام وعمل العامي بالتّقليد أيضا من حيث احتمال التّعبّد في حقّه وهذا الوجه وإن كان فاسدا في التّقليد بل في باب القضاء إلَّا أنّ احتماله يكفي مانعا عن قياس المقام به ولا بدّ من تنزيل عبارة الكتاب على هذا الوجه وإن استلزم خلاف الظَّاهر في بعض ألفاظها وببالي أنّه قدس سره يفسّر العبارة في مجلس البحث بذلك فإنّ الوجه الأوّل ممّا لا يمكن الالتزام بلوازمه الفاسدة نعم ؛ ترتيب ما أفاده قدس سره على الوجه الثّاني من عدم التّسوية بين الظَّنين يحتاج إلى مزيد تأمّل فإنّه يمكن أن يقال إنّ عدم ملاحظة الشّارع الطَّريقيّة في جعل الأمارات إذا لم يوجب الإعراض عن الواقع كما هو المفروض فأيّ مانع من الحكم بحجيّة الظَّن في تشخيص الواقع كالظَّنّ في تشخيص الطَّريق الَّذي فرض انسداد باب العلم به كالواقع وأيّ مزيّة للثّاني على الأوّل غاية ما هناك ملاحظة الشّارع وجود مصلحة في أمره بسلوك الطَّريق يتدارك به المصلحة الفائتة عند مخالفتها للواقع وهذا المقدار لا يوجب رفع اليد عن الواقع رأسا وإلَّا لزم الإعراض بالمعنى الأوّل الباطل كما هو المفروض فالإعراض بهذا المعنى لا يلازم نفي التّسوية بين الظَّنين فافهم قوله قدس سره : بخلاف الطَّرق المنصوبة للمجتهد على الأحكام إلخ أقول : جعل الوجه في تخصيص الطَّرق المنصوبة بالخصوص من بين الأمارات ما أفاده قدس سره فيما لو قيل باختصاص اعتبارها بزمان العجز عن تحصيل العلم في مواردها فيصير من الظَّنون الخاصّة المقيّدة بزمان الانسداد ممّا لا غبار فيه ولا شبهة تعتريه وأمّا على القول بعموم اعتبارها لزمان الانفتاح والتّمكن من تحصيل العلم في موردها بالرّجوع إلى المعصوم عليه السلام فيكون من الظَّنون الخاصّة المطلقة كما هو الشّأن فيما بأيدينا من الظَّنون الخاصّة فقد يناقش فيه بأنّ مجرّد أغلبيّة الظَّنون الخاصّة بالنّسبة إلى سائر الأمارات الملقاة عند الشّارع لا يوجب جعلها مع التّمكن من تحصيل العلم بالواقع فإنّه يلزم منه فوت الواقع أحيانا مع التّمكن من تحصيله وهو قبيح على ما اعترف به شيخنا قدس سره أيضا فيما تقدّم من كلامه في ردّ ابن قبة قدس سره فلا بدّ
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 212
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢١٢
هامش
( 1 ) مع كونه عالما بالواقع دائما كقوله إنما قضى بينكم بالبينات والإيمان .