تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١

فالمقدّمة حقيقة كلّ منهما تخييرا لا تعيينا فلا ينافي إيجاب الصّلاة تعيينا عدم إيجاب الطَّهارة المائيّة تعيينا فتأمّل ( 1 ) وممّا ذكرنا كلَّه يظهر لك المراد من قول شيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره في الكتاب وكذا مع العلم الإجمالي إلى آخره وإن كانت العبارة لا تخلو عن شيء بحسب العطف مع وضوح المراد منه قوله قدس سره : وكأنّ المستدلّ توهّم أنّ مجرد نصب الطَّريق إلخ أقول : لا يخفى عليك ما في التّعبير المذكور فإنّ كلام المستدلّ صريح في أنّ نصب الطَّريق ولو عرض فيه الاشتباه موجب لصرف التّكليف الفعلي إلى مؤدّاه ولا يحتمل غير ذلك وقد بنى عليه الأمر يقينا وهو من مقدّمات مطلبه جزما فلا يحسن التّعبير بكأنّ وإن أوضحنا وأوضح قدس سره فساده بما لا مزيد عليه وأنّه لا يلزم من نصب الطَّرق الخاصّة إلى الأحكام الواقعيّة إلَّا جواز اكتفاء المكلَّف بسلوكها عن تحصيل الواقع ومعذوريّة سالكها في حكم العقل على تقدير الخطأ لا رفع اليد عن الواقع الَّذي نصب لأجله الأمارة بحيث لا يجوز تحصيله مع نصب الأمارة وانقلاب التّكليف الفعلي إلى مؤدّاها كما زعمه المستدلّ هذا مضافا إلى أنّ ما توهّمه إنما يستقيم على تقدير الإغماض عمّا ذكرنا عليه فيما كان المجعول نوعا واحدا من الأمارات فيتوهّم انقلاب التّكليف الفعلي إلى مؤدّاه وعدم تعلَّق إرادة الفعليّة من الشّارع بالواقع الَّذي لم يقم عليه لا ما إذا كان أنواعا مختلفة متعدّدة ودعوى كون المحصّل من مجموع الأدلَّة القائمة على جعلها عدم إرادة ما لم يقم عليه واحد منها شطط من الكلام فتأمّل مضافا إلى أنّ لازم ما توهمه لغويّة اعتبار الأصول والرّجوع إليها في مجاريها حتّى أصالة البراءة بل عدم اعتبار ما قام من الأمارات المظنون اعتبارها على غير الأحكام الإلزاميّة اللَّهمّ إلَّا أن يعتبر الشّأنيّة والفعليّة بالنّسبة إلى جميع الأحكام حتّى الإباحة وهو كما ترى بمكان من الضّعف والسّقوط كما أنّ لازمه عدم اعتبار ما قام منها على الأحكام الوضعيّة إلَّا إذا يترتّب عليها أحكام تكليفيّة إلزاميّة مضافا إلى أنّ لازمه عدم اعتبار الظَّنّ بالأحكام الفرعيّة الواقعيّة مطلقا حتّى مع انسداد باب الظَّنّ المطلق في الطَّريق أو عدم كفاية ما ظنّ اعتباره مع أنّه التزم بحجيّة الظَّن في الفروع على هذا التّقدير فيما عرفت من كلامه والملازمة كبطلان اللَّوازم ظاهرة اللَّهمّ إلَّا أن يتشبّث في التّعميم بالنّسبة إلى جميع ذلك بعدم القول بالفصل وهو كما ترى بمكان من الضعف والحاصل أنّ كلّ ما يزيد المنصف التّأمّل في هذا القول ولوازمه يزيد له التعجّب ممّن صار إليه مع كونهم من أفاضل الأعلام قوله قدس سره : قلت فرق بين ما نحن فيه وبين المثالين إلخ أقول : الوجه في القيد الَّذي اعتبره في التّعميم كنفس الفرق بين المثالين والمقام من الوجهين ممّا لا يكاد أن يخفى فإنّ حال المثالين بعد ملاحظة الوجهين المذكورين حال القياس وشبهه ممّا قام الدّليل القطعي على عدم اعتباره بالخصوص حتّى في زمان الانسداد وإن كان هناك فرق بين الوجهين من حيث خروج ظنّ العامي في الأحكام والقاضي في الموضوعات بالنّظر إلى الوجه الأوّل وهو كثرة مخالفتهما عن موضوع حكم العقل حيث أنّ حكمه بحجيّة الظَّن سواء تعلَّق بالواقع أو بالطَّريق إنما هو من حيث غلبة مطابقته للواقع وكشفه عنه فالعنوان في حكم العقل والموضوع الأوّلي فيه هي غلبة المطابقة لا الظَّن من حيث إنّه ظن ولذا لا يجوز العمل بما يكون غالب المخالفة من الظَّنون في تعيين الطَّريق كالقياس وشبهه باعتراف الخصم وعدم خروجها عنه في النّظر الأوّل على الوجه الثّاني حيث إنّ الإجماع على عدم حجيّة الظَّن لا على كثرة مخالفته فإنّه ممّا لا يقبل قيام الإجماع عليه وإن لم يكن بدّ عن الالتزام بخروجهما عن الموضوع بجعل الإجماع على عدم الحجيّة كاشفا عنه على سبيل الإجماع كما يلتزم به فيما قام ممّا نهى عنه بالخصوص من جهة الإجماع وغيره على تشخيص الطَّريق أيضا فعلى ما ذكر يحكم بجواز عمل العامي مثلا بالظَّن في الحكم الفرعي إذا حصل من الأمارات المضبوطة كالأمارات الَّتي يعمل بها في تشخيص المرجع كما يحكم بجواز عمله بالظَّن في تشخيص المجتهد بالنّظر إلى الوجه الأوّل وإن منع منه بالنّظر إلى الوجه الثّاني فكما أنّ العامي الَّذي يقدر على إعمال الظَّنون الخاصّة في زمان الحضور يتخيّر بينه وبين التّقليد كذلك يتخيّر بين إعمال الظَّن في تشخيص الحكم والمرجع في زمان الانسداد إذا فرض حصوله من نوع واحد ممّا كان منضبطا من غير فرق بينهما وإلى الفرق بين مقتضى الوجهين أشار بأمره بالتّأمل بعد إبداء الفرق في ظنّ القاضي بين ما يعمل به لتشخيص ميزان القضاء وفصل الخصومة الرّاجع إلى الظَّن بالحكم الظَّاهري الشّرعي وما يعمل به لتشخيص الحقّ بين قولي المتخاصمين في الموضوعات الخارجيّة والوقائع الشّخصيّة دون ما يعمل به لتشخيص الحقّ في الوقائع الكلَّيّة إذا كان التّرافع في الشّبهات الحكميّة فإنّ الظَّن به يرجع إلى الظَّن بالحكم الفرعي الواقعي أو الظَّاهري الَّذي لا مناص من القول بحجيّته في كلا القسمين على ما عرفت تحقيقه هذا كما أنّه يحكم بتعيّن إعماله الظَّن في تشخيص الحكم الفرعي إذا حصل من أمارات مضبوطة مع قدرته على الفحص عمّا يعارضها مع عجزه عن إعمال مثلها في تعيين المرجع ألا ترى أنّهم حكموا بوجوب عمل العامي بالشّهرة في الأحكام الشّرعيّة إذا عجز عن تحصيل رأي المجتهد فيها وليس هذا إلَّا من جهة ما ذكرنا من عدم إلغاء الظَّن بالحكم الفرعي في حقّه رأسا واعتباره في حقّه في

هامش
( 1 ) الوجه فيه ان الواجب في موارد تعسر الوضوء والغسل هو التيمم ليس إلا أنه يجوز فعلهما من جهة رجحانهما ويحصل به دفع الحدث فيسقط الأمر بالتيمم من جهته ارتفاع موضوعه فليس الوضوء مثلا واجبا تخييريا في الفرض ولا مستحبا شرعيا اصطلاحيا وإن كان مؤثرا في رفع الحدث فهو نظير الوضوء بعد الوقت للغابات المستحبة فافهم منه دام ظله العالي