تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
ومظنونه من حيث كونهما كذلك ممّا يجب الاجتناب والتّحرز عنه من غير أن يلاحظ فيهما جهة الطَّريقيّة إلى الضّرر الواقعي ولذا يحكمون بفساد عمل من أتى بالواجب في حال الظن بالضّرر وإن انكشف عدم وجود الضّرر في الواقع كالمتطهّر بالطَّهارة المائية مع الظن بالضّرر من استعمال الماء هذا ولكنّك خبير بأنّ هذا الإشكال في كمال الفساد لأنّ الَّذي دلّ النقل والعقل عليه كون ارتكاب المضر الدّنيوي حراما كارتكاب سائر المحرّمات الشّرعيّة فالحرمة فيه كالحرمة فيها إنّما تعلَّق بنفس الواقع ولا دخل للقطع والظن فيها نعم ؛ القطع به طريق إليه بنفسه كما في سائر المقامات والظن به طريق إليه إمّا من باب دليل الانسداد أو حكم العقل والعقلاء به مع قطع النّظر عن برهان الانسداد ومجرّد حكم العقل بوجوب سلوك الطَّريق الظَّني في باب الضّرر لا يدلّ على كون الظَّن موضوعا فتأمّل واستكشاف موضوعيّته من حكمهم بفساد العبادة المأتيّ بها مع الظَّن بالضّرر بها وإن انكشف عدم الضّرر في غاية الفساد إذ يكفي في الفساد عدم تمكَّنه من قصد التّقرب الموقوف على العلم بالأمر المنفي على تقدير طريقيّة الظَّن أيضا قطعا كما هو ظاهر ومن هنا حكم غير واحد منهم الأستاذ العلَّامة بصحّة العبادة إذا غفل عن حاله وأتى بالفعل أو اعتقد عدم الضّرر وإن انكشف الضّرر بعد العمل فتأمّل نعم قد يترتّب بعض الأحكام في الشّريعة على عنوان الخوف مثل عدم جواز الوضوء مع خوف الضّرر الَّذي دلّ عليه بعض الأخبار وعدم جواز الصّوم مع خوف التضرّر به المدلول عليه ببعض الأخبار لكن لا دخل له بموضوعيّة الظَّن في باب الضّرر لأنّ عنوان الخوف أعمّ منه قطعا وعلى تقدير مساواته له لا يدلّ على كون الظن في باب الضّرر موضوعا بالنّسبة إلى جميع الأحكام كما لا يخفى هذا وستقف على تفصيل القول في هذا في طي كلماتنا الآتية إن شاء اللَّه تعالى هذا مجمل القول فيما يقال من المناقشة على الوجه الأوّل وأمّا الثّاني أي بناء العقلاء على مذمّة المتعاطي ذلك فلأنّ المسلَّم منه إنّما هو بناؤهم على مذمّة الشّخص من حيث وجود صفة الشّقاوة فيه المستكشف لهم من فعله وإقدامه على الإتيان بما يعتقد كونه مبغوضا للمولى لا على مذمّة الشخص من حيث صدور فعل القبيح عنه فالمذمّة على الفاعل إنّما هو باعتبار ما كشف عنه الفعل من وجود صفة الشّقاوة فيه المحرّك له إلى الإقدام بإتيان ما يعتقد كونه مبغوضا للمولى وأنّه لا ريب في مذمّتهم للعبد الَّذي علموا أنّه في مقام معصية المولى وإن لم يصدر منه فعل في الخارج أصلا لا من الجوارح ولا من القلب كالنّية كمن انكشف لهم من حاله أنّه بحيث لو قدر على قتل سيّده لقتله فإنّه ليس لأحد الارتياب في بنائهم على مذمّته لما استكشف لهم من حاله عن وجود صفة الشّقاوة وهذا أمر لا سترة فيه عند التّأمّل والحاصل أنّ العقلاء قد يذمّون الشّخص على فعله وأنّه ذو فعل قبيح وقد يذمّون الشّخص على شقاوته من غير أن يكون فعله قبيحا عندهم ويعبّر عن الأوّل بالفارسي بقولهم ( بد كاريست ) والثاني بقولهم ( بد آدميست ) وليس المراد من رجوع المذمّة إلى الفعل عدم تعلَّقه بالفاعل كيف والفعل القبيح ما يكون فاعله مستحقّا للذم عند العقلاء بل المراد كون مذمّة الشّخص مستندا إلى إتيانه بالفعل القبيح وإن كان المحرّكة له إليه وجود صفة الشقاوة فيه أيضا فهو أيضا يكشف عن وجود صفة الشّقاوة فيه لا محالة وإلَّا لم يقدم على الإتيان بالفعل القبيح إلَّا أن للذّم تعلَّقا بالفعل أيضا وهذا بخلاف القسم الثّاني فإنّ الذم فيه لا تعلَّق له بالفعل أصلا فإذا لم يتعلَّق الذّم والقبح بنفس الفعل بل بالفاعل مستقلَّا لم يكن معنى لجعل بناء العقلاء على المذمّة دليلا على استحقاق العقاب على العقل الملازم لحرمته عند الشّارع كما أنّ الذم بالفعل معلول لحرمته العقلائيّة ضرورة أنّ الملازمة إنّما تكون بين حرمة الفعل عند العقلاء وحرمته عند الحكيم تعالى لا بين مطلق مذمّة الشّخص عندهم والحرمة كيف وهو ممّا لا معنى له ولا يمكن أن يتفوّه به عاقل وممّا ذكرنا من البيان للمناقشة في الوجه الثّاني يظهر المناقشة في الوجه الثّالث أيضا لأنّا نمنع من حكم العقل بقبح التّجري من حيث إنّه تجري حتّى يحكم بحرمة الفعل المنطبق عليه من حيث استحالة تغاير حكم المتصادقين نعم ؛ يستقلّ العقل باستحقاق المتجرّي للذّم من حيث كشف تجريّه على المولى الحاصل بفعل ما يعتقد كونه معصية عن وجود صفة الشّقاوة فيه وبعبارة أخرى المسلَّم في التّجري هو قبح الفاعلي لا الفعلي فإنّه محلّ منع ودعوى استقلال العقل به مكابرة صرفة لا شاهد لها أصلا بل المشاهد بالوجدان خلافها لا يقال كيف يحكم بتعلَّق القبح بالفاعل تعلَّقا ابتدائيا من غير أن يكون لفعله مدخل فيه مع أنّهم أطبقوا في مسألة التّحسين والتّقبيح العقليّين على أنّ متعلَّق الحسن والقبح هو الأفعال الاختياريّة ليس إلَّا لأنّا نقول الحسن والقبح بالمعنى الَّذي جعلوه محلَّا للنّزاع في باب التّحسين والتقبيح ليس إلَّا من عوارض الأفعال الاختياريّة لا مطلق الحسن والقبح فإنّ القبح الَّذي يكون محلَّا للكلام هو كون فاعل الفعل مستحقا للذّم والمؤاخذة من حيث إنّه فاعله والحسن الَّذي يكون محلّ الكلام هو كون فاعل الفعل مستحقّا للمدح عند العقلاء والمثوبة من حيث إنّه فاعله ومن المعلوم أنّهما بهذا المعنى ليسا إلَّا من عوارض الأفعال الاختياريّة والمسلَّم في المقام غير هذا المعنى فلا يشترط تعلَّقه بالفعل الاختياري لا يقال إذا كانت صفة الشّقاوة ممّا لا يتعلَّق بها الاختيار ومن لوازم ذات العبد فأيّ معنى لأن يذمّ عليه وإن التزم بكونها اختياريّة من حيث إمكان إزالتها بالمجاهدة فيجب الالتزام بوجوب إزالتها من حيث كونها من قبيل الأوصاف الرّذيلة لنفس الأمارة فيلزمك القول باستحقاق العقاب في المقام وإن لم يكن على نفس ما اعتقد تحريمه لأنّه لا ثمرة على ترتب العقاب
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 19 | ميرزا محمد حسن الآشتياني