تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
حكمه ممّا اتفق عليه العقلاء ليس من حيث كونه شارعا بل من حيث كونه عاقلا فالحجّة هي نفس حكم العقل لا حكم الشّارع ومن هذا الباب ما تمسّك به جماعة من الإجماع في المسائل الكلاميّة العقليّة كوجود الصّانع جلّ اسمه ونحوه كما هو واضح وممّا ذكرنا تعرف أنّ حكم العقل في المقام وأمثاله على تقدير تسليمه ليس ممّا يستكشف عن حكم الشّرع بقاعدة الملازمة لأنّها مختصّة بالأمور الشّرعيّة الَّتي حكم العقل فيها كحرمة الظَّلم ووجوب ردّ الوديعة نعم ؛ لا إشكال في أنّ في كلّ مورد حكم العقل على سبيل القطع بشيء يعلم أنّ الأمر عند المعصوم عليه السلام كما حكم به العقل من حيث استحالة عدم حكم عقله مع أنّه عقل الكلّ ولكن لا دخل لهذا بمسألة الملازمة هذا وإن أردت شرح هذا الكلام فارجع إلى ما كتبناه في باب الإجماع فإنّا قد فصّلنا القول فيه غاية التّفصيل هذا ولكن يمكن أن يقال إنّ التمسّك بالإجماع في المسألة نظير التمسّك بالأخبار في المسألة ونظائرها كما ستقف عليه إذ كما يستكشف الحكم الشّرعي ممّا دلّ على استحقاق الثّواب أو العقاب على الفعل من الأخبار والآيات كذلك يستكشف من الإجماع من حيث إنّ بيان الشّيء قد يكون ببيان لازمه فالغرض من التمسّك بالإجماع على الاستحقاق التمسّك به على الحرمة الشّرعيّة فالأولى في الجواب أن يقال إنّ حكمهم باستحقاق العقاب ليس لأمر راجع إلى الشّرع بل لحكم عقلهم بذلك من جهة التّجري أو غيره ومن المعلوم ضرورة أنّ مقالة الرّئيس إنّما يستكشف من مقالة المرؤس فيما يكون من آثارها لا فيما يرجع إلى أمر لا دخل له بالرئيس فتدبّر هذا مع إمكان أن يقال إن الاتفاق الموجود في المقام لا يجدي في شيء وإن قلنا بأنّ اتّفاق العلماء في المسائل العقليّة أيضا يكشف عن حكم الإمام عليه السلام لأنّ هذا على تقدير تسليمه إنّما هو بالنّسبة إلى اتّفاق الكلّ لا اتفاق الجلّ وإن قلنا بعدم اشتراط اتّفاق الكلّ في المسائل الشّرعيّة في باب الإجماع فتأمّل وأنت خبير بأنّ ما ذكرنا من البيان في الجواب عن هذا الدّليل أولى ممّا ذكره الأستاذ العلَّامة فإنّه إن كان المراد من الإجماع المحصّل هو الَّذي جرى عليه الاصطلاح في باب الإجماع من الكلّ حتّى من نفسه دام ظلَّه على ما ستقف عليه من أنّه الاتفاق الكاشف عن دخول المعصوم عليه السلام أو السّنة فلا بدّ من أن يكون المراد من قوله والمسألة عقليّة الإشارة إلى وجه عدم كشف الإجماع في المقام لا إلى الجواب المستقلّ لأنّ بعد الاستكشاف المعتبر لا معنى لمنع العمل من جهة كون المسألة عقليّة وأنت خبير بأنّ جعله إشارة إلى الوجه في عدم حصول الاستكشاف لا يخلو من شيء وإن كان المراد منه هو الاتفاق الأعمّ من الكاشف وغيره فهو وإن كان محفوظا عمّا يرد عليه على التّقدير الأوّل إلَّا أنّ إرادة غير المعنى الَّذي جرى عليه الاصطلاح تحتاج إلى نصب قرينة فتدبّر ثمّ إنّ هذا كلَّه على تقدير استقامة ما استفاده دام ظلَّه من كلماتهم في مسألة تأخير الصّلاة بظنّ الضّيق وفي مسألة سلوك الطَّريق المقطوع الخطر أو مظنونه وإلَّا فقد يتأمّل فيما ذكره من الاستفادة أمّا بالنّسبة إلى ما ذكره دام ظلَّه في المسألة الأولى فبأن تعبيرهم بالظن في المسألة الأولى لم يعلم كونه من باب التّعبير بأدنى فردي الرّجحان وإن كان أصل عدم جواز التّأخير مع العلم ثابتا عندهم بل مصرّحا به في كلمات جماعة لأنّ استحقاق العقاب على مخالفة الظن المعتبر عند الشّارع لا يستلزم استحقاقه على مخالفة القطع لأنّ مرجع اعتبار الظن إلى حكم الشّارع بالعمل به وإيجابه سلوكه في مقام الظاهر الَّذي يرجع إلى جعل حكم ظاهري للشّيء الَّذي تعلَّق به الظن ممّا يكون ثابتا له في الواقع ونفس الأمر ومن المعلوم أنّ مخالفة الحكم الظاهري كمخالفة الحكم الواقعي موجبة لاستحقاق العقوبة إذ كلّ منهما حكم شرعيّ غاية الأمر كون الموضوع في أحدهما نفس الواقع وفي الآخر الواقع الغير المعلوم وهذا لا يؤثر في شيء وهذا الكلام وإن كان قابلا للنّقض والإبرام كما ستقف عليه إلا أنّه يصلح مانعا لاستفادة حكم غيره منه بالفحوى أو تنقيح المناط وهذا بخلاف القطع فإنّك قد عرفت أنّه ليس حجّة شرعيّة بمعنى كون حجيّته مجعولة ولو بحكم العقل الكاشف عن حكم الشّارع فالحكم باستحقاق العقاب على مخالفته لا بدّ من أن يبتني على حرمة التّجري من حيث هو هو لأنّ المفروض أنّ مخالف القطع في المقام لم يخالف حكما شرعيّا وخطابا ثابتا في الشّرع وقد سلك هذا المسلك الأستاذ العلَّامة في الكتاب فيما سيجيء في باب تأسيس الأصل في الظن وليست مزيّة الظن المعتبر على العلم من الغريب في شيء كيف وقد حكموا بأنّ سلوك الطَّريق الشّرعي يوجب الإجزاء بخلاف العمل بمقتضى القطع ونحن وإن لم نقل بالإجزاء في المقامين بالنّظر إلى مقتضى القاعدة إلَّا أنّا نجوّز قيام الدّليل عليه في الأوّل دون الثّاني وهذه أيضا مزيّة للظن على العلم لا يقال لا معنى لحكم الشارع باعتبار الظن إلَّا إيجابه تنزيل الظَّن منزلة العلم فإذا لم يترتّب استحقاق العقوبة على مخالفة العلم فلا بدّ من أن لا يترتّب على مخالفة الظَّن أيضا وإلَّا فيلزم الحكم به في المقامين أو كون المنزل والفرع أقوى من المنزل عليه والأصل والثاني باطل بالضّرورة والأوّل ممّا لا تقول به لأنّا نقول مضافا إلى ما عرفت سابقا من فساد القول بالتّنزيل المذكور إذ ليس في أدلَّة اعتبار الأمارات ما يدلّ عليه أو يشير إليه أنّ هذه المزيّة إنّما جاءت من نفس وجوب التّنزيل وحكم الشّارع به وبعبارة أخرى من حجيّة الظن وهذا المعنى لمّا كان مفقودا بالنّسبة إلى العلم لم يحكم باستحقاق العقاب على مخالفته فليس هذا من آثار المظنون ولا من آثار الظن حتّى يلزم من الالتزام به دون العلم مزيّة الفرع على الأصل بل من آثار صيرورة الظن حجّة شرعيّة وعلى تقدير تسمية هذا مزيّة نمنع من بطلان مزيّة الفرع على الأصل بهذا المعنى وبمثل ما ذكرنا يتفصّى عن الإشكال الوارد في مسألة الإجزاء وغيرها ممّا التزم فيه بما لا يلتزم فيه بالنّسبة إلى القطع هذا ولكن قد يجاب
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 17 | ميرزا محمد حسن الآشتياني