الأصل مظنون الاعتبار وسيجئ في التّنبيه الأوّل من تنبيهات دليل الانسداد عدم الفرق في نتيجة مقدّمات دليل الانسداد الجاري في المسائل الفقهية سواء على القول بكون نتيجة حجيّة الظَّن أو التّبعيض في الاحتياط بين الظَّن بالمسألة الأصوليّة وكون الشّيء حجّة ومعتبرا وطريقا عند الشّارع وبين الظَّن بالمسألة الفقهيّة المنسدّ فيها باب العلم وإن كان هذا على خلاف التّحقيق الَّذي بنى عليه الأمر قدس سره في سالف الزّمان وأنّ عدم الفرق مبني على كون النّتيجة حجيّة الظَّن لا التّبعيض في الاحتياط إلَّا أنّ المختار عنده لاحقا هو الحكم بتعميم عدم الفرق كما ستقف على تفصيل القول فيه
قوله قدس سره : قلت مرجع الإجماع إلخ
أقول : الوجه مبتدأ فيما أفاده من رجوع الإجماع على الرّجوع إلى الأصول في مجاريها بعد العلم الإجمالي قطعيّا كان أو ظنيّا إلى الإجماع على وجود الحجّة الكافية الوافية بتشخيص المعلومات الإجماليّة ولو كان هو الظَّن المطلق فيرجع الأمر بالأخرة في المقام إلى دعوى الإجماع على حجيّة الظَّن المطلق واضح خبر بعد إمعان النّظر فيما ذكرنا حيث إنّك قد عرفت انحصار المانع من الرّجوع إلى الأصول في العلم الإجمالي ولا يرتفع إلَّا بالعلم التّفصيلي بالمعلومات الإجماليّة أو ما في حكمه من الظَّن المعتبر على ما بنى عليه الأمر في بيان الثّمرة بين حجيّة الظَّن والتّبعيض في الاحتياط فقيام الإجماع القطعي أو الظَّني على اعتبار الأصول في محلّ البحث إنما هو من جهة قيامه على اعتبار الظَّن المطلق فملخّص دعوى الإجماع في كلام المتوهّم دعوى الإجماع الظَّني على حجيّة مطلق الظَّن في زمان الانسداد ومن المعلوم ضرورة عدم كفايته أصلا في الخروج عن مقتضى الأصل الأوّلي في الظَّن وما قرع سمعك من عدم الفرق في النّتيجة إنما هو بعد إنتاج المقدّمات في حكم العقل على وجه القطع الرّجوع إلى الظَّن فلا يفرق بين الظَّن في المسألة الفقهيّة والظَّن في المسألة الأصوليّة فلا معنى لتوهّم أنّه بناء عليه يلزم الاكتفاء بالظَّن الحاصل من الإجماع القطعي على اعتبار الأصول في المشكوكات على حجيّة الظَّن المطلق فيرجع الأمر بالأخرة إلى إثبات الظَّن بالظَّن من غير حاجة إلى إنهائه إلى القطع وهذا أمر واضح لا سترة فيه أصلا هذا مضافا إلى أنّه بعد البناء على كفايته لا معنى للتمسّك بدليل الانسداد لإثبات المدّعى في حكم العقل أصلا بل يتمسّك بالإجماع الظَّني على حجيّته ومن هنا استدلّ بعض أفاضل من تأخّر في المقام بإجماع العلماء كافّة على حجيّته في زمان الانسداد وإن كان هذا كما ترى لا شاهد له أصلا فإن قلت المفروض في المقام أيضا إنتاج المقدّمات في حكم العقل على وجه القطع واليقين الرّجوع إلى الظَّن في الجملة ولو من جهة التّبعيض في موارد الاحتياط اللَّازم بمقتضى العلم الإجمالي الكلَّي
فيحكم بعد ملاحظته بوجوب الأخذ بالظَّن القائم على حجيّة مطلق الظَّن الحاصل من الإجماع الظَّني قلت ما ذكر توهّم فاسد وتمحّل بارد لأنّ التّبعيض في الاحتياط الملازم لعدم حجيّة مطلق الظَّن لا يمكن أن ينتج حجيّة مطلق الظَّن المانعة من التّبعيض في الاحتياط
نعم ؛ الظَّن بحجيّة بعض الأمارات القائمة على نفي التّكليف الإلزامي مع عدم إفادتها الظَّن الفعلي به في حكم الظَّن الفعلي على القول بكون النّتيجة هو التّبعيض في الاحتياط وأين هذا من اتّصافه بالظَّن بحجيّة مطلق الظَّن بناء على التّبعيض في الاحتياط والفرق بين الأمرين ممّا لا يكاد أن يخفى على ذي مسكة
قوله قدس سره : وتحصل ممّا ذكرنا إشكال آخر أيضا إلخ
أقول : لمّا كان لازم حجيّة الظَّن أمرين أحدهما تعيين المعلومات الإجماليّة به فيما قام عليها فيلزم خروج المشكوكات عن أطراف العلم الإجمالي بعد ما كانت منها فيرجع فيها إلى الأصول ثانيهما إثباته لمدلوله وطريقيّة إليه وترتيب أحكامه عليه ورفع اليد به عن الظَّواهر الموجودة في مورده على خلافه من العمومات والإطلاقات وغيرهما إذا كان أقوى منها فإذا لم يثبت بالدّليل المذكور نظرا إلى المقدّمة الثّالثة إلَّا رفع اليد عن الاحتياط الكلَّي في الجملة وإن تعين هذه المهملة نظرا إلى حكم العقل في ضمن جزئيّة معيّنة وهي الظَّنون المخالفة للاحتياط كلَّا أو بعضا لم يترتّب عليه شيء من الأمرين أمّا الأوّل فقد عرفت الكلام فيه وأمّا الثّاني فظاهر بعد فرض كون النّتيجة ما ذكر من التّبعيض في الاحتياط من غير فرق بين الظَّن القائم على التّكليف في قبال ما ينفيه من الظَّواهر كما هو مفروض الكتاب فإنّه لا يجوز رفع اليد به عنها لعدم جواز رفع اليد عن الدّليل بأصالة الاحتياط وبين القائم على عدمه فإنّ الثّابت عنده مجرّد عدم وجوب الاحتياط في مورده لا إثبات مدلوله فلو دلّ على استحباب شيء لا يحكم به وإنما يحكم بعدم وجوب الاحتياط فإنّ دليل نفي الحرج أو الإجماع على عدم وجوب الاحتياط لا يقتضي إلَّا عدم رعاية احتمال الوجوب والاحتياط من جهة العلم الإجمالي ولا يقتضيان الحكم بالاستحباب كما هو ظاهر هذا وقد يناقش فيما أفاده قدس سره بأنّ رفع اليد عن الظَّواهر المعتبرة من الكتاب والسّنة القطعيّة أو الظَّنية المعتبرة بالظَّن على خلافها إنما هو فيما كان مبنى اعتباره على الحجيّة من حيث الخصوص حتّى يكون في مرتبة الظَّواهر لا على الحجيّة من جهة الظَّن المطلق فإنّه ليس في مرتبة الظَّواهر حتّى يرفع اليد به عنها فإن شئت قلت إنّ حجيّة الظَّن المطلق مبنيّة على عدم انفتاح باب العلم والظَّن الخاص في المسألة الشّخصيّة فإذا فرض انفتاح أحدهما
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 201
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٠١