تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
إلى الأصول وعلى الثّاني يكون مطلوبا نفسّيا كفائيّا من غير فرق بين الأحكام الإلزاميّة وغيرها ولا يتصوّر الاحتياط على هذا التّقرير ولا الرّجوع إلى الأصول بعد فرض ثبوت وجوب الحفظ حتّى يتوقّف إتمامه على إبطال وجوب الاحتياط والرّجوع إلى سائر الأصول وإن كان الغرض من حفظ الأحكام العمل بها في الجملة إلَّا أنّه ليس واجبا مقدّميّا فإنّ الغرض من إرسال الرّسل وتشريع الدّين وإبلاغه إلى المكلَّفين هو حصول الكمال لأنفسهم بأخذه والعمل بمقتضاه إلَّا أنّه لا يوجب كون وجوب البيان على الأنبياء غيريّا وبالجملة تقرير الدّليل على الوجه الثّاني غير مذكور في كلماتهم وإن كان على تقدير تماميّته أنفع من الوجه الأوّل وإن كان مقتضاه حصول المعرفة الظنية بالنّسبة إلى الواقع والقطعيّة بالنّسبة إلى الحكم الظَّاهري على تقدير إثباته حجيّة الظَّن بالنّسبة إلى مورده أيضا إلَّا أنّه يتوجّه عليه إشكال لزوم التبعيض في الاحتياط على ما ستقف عليه وعدم العموم له بالنّسبة إلى الظَّن بغير الأحكام الإلزاميّة ثمّ إنّ ما أفاده قدس سره في بيان المقدّمة الأولى في عداد المقدّمات على الوجه الأوّل على سبيل الإجمال والفهرست من انسداد باب العلم والظَّن الخاص في معظم المسائل الفقهيّة ليس المراد منه ما يتراءى من ظاهر لفظ المعظم بل المراد منه هو الكثير من المسائل الفقهيّة المشتملة على الأحكام الإلزاميّة بحيث يكون الشّبهة من الكثير في الكثير ولو فرضت كثرة المعلومات التّفصيليّة أو المظنونة بالظَّن الخاصّ فالمراد أنّ المشتبهات المشتملة على الواجبات والمحرّمات يكون أكثر بمراتب من المعلومات والمظنونات بالظَّن الخاص قوله قدس سره : ونجعل أنفسنا إلخ أقول : الفرق بين الوجهين لا يكاد أن يخفى فإنّه على الأوّل لم يصدر حكم من الشّارع في حقّ الجاهل وإنشاء في مرحلة الظَّاهر أصلا وفي الثّاني صدر إنشاء من الشّارع في حقّه بمقتضى أدلَّة البراءة أو أصالة العدم قوله قدس سره : لعدم الوجوب في بعضها إلى آخره أقول : المراد من البعض الَّذي يكون إبطال وجوبه مقدّمة لا جوازه هو الاحتياط كما ستقف عليه مشروحا حيث أنّ بطلان تعيينه يكفي في الحكم بحجيّة الظَّن ولا يتوقّف على بطلان جوازه فإنّ جوازه بل رجحانه يجامع انفتاح باب الظَّن الخاصّ بل العلم التّفصيلي فضلا عن الظَّن المطلق فإنّ حجيّة الظَّن لا تنفي جواز إحراز الواقع بالاحتياط وهذا بخلاف سائر الأصول والطَّرق المحتملة فإنّ جوازها ينافي حجيّة الظَّن أمّا الأصول فظاهر وأمّا التّقليد ونحوه فإنّ حجيّة الظَّن في حقّ المجتهد يوجب تمكَّنه عن الاجتهاد في المسألة فكيف يجوز له الأخذ بوظيفة العامي ثمّ إنّ المقدّمة الرّابعة كما ترى بمنزلة الكبرى للقياس المركَّب من الصّغرى الموقوفة على المقدّمات الثّلاثة فإنّه يثبت بمعونتها الدّوران بين الامتثال الظَّني والشّكي والوهميّ وبمقتضى المقدّمة الرّابعة تثبت كبرى هذه الصّغرى فإنّ العقل يحكم حكما كليّا بأنّه كلَّما دار الأمر فيه بين الظَّن والاحتمالين الآخرين يجب تقديم الظَّن عليهما فإذا انضمّت إلى الصّغرى المذكورة فيحصل من المجموع العلم بالنّتيجة وهي وجوب الامتثال الظَّني ومن هنا سمّي الدّليل عقليّا من حيث إنَّ الحاكم في كبرى القياس المذكور العقل وما أفاده في تقرير المقدّمة الرّابعة وإن لم يكن واضح الدّلالة على ما ذكرنا من البيان إلَّا أنّ مراده ما ذكر قوله قدس سره : أمّا المقدّمة الأولى إلخ أقول : ما أفاده بالنّسبة إلى انسداد باب العلم في أغلب الأحكام من عدم احتياجه إلى الإثبات بما في المعالم وغيره في كمال الظَّهور فإنّ كثيرا من الواجبات والمحرّمات وأن كانت معلومة في الجملة من جهة الضّرورة والإجماع والأخبار المتواترة إلَّا أنّه لا ينافي ما ندّعيه من انتفاء العلم التّفصيلي بالنّسبة إلى كثير منها فإنّ المنافي له العلم بأكثر الأحكام بحيث يلحق الباقي بالشّبهة الغير المحصورة وهو منفيّ قطعا مع أنّ الواجبات المعلومة إنّما علمت على سبيل الإجمال لا بجميع أجزائها وشرائطها وموانعها ألا ترى أنّا نعلم بوجوب الصّلاة لأنّه من أوضح ضروريّات الدّين الَّتي يكون العلم بها خارجا عن الفقه حقيقة إلَّا أنّا لا نعلم بجميع ما يعتبر فيه وكذلك الصّيام والحجّ والزّكاة والخمس وغيرها من أمّهات الفروع وأصولها وأمّا بالنّسبة إلى انسداد باب الظَّن الخاصّ المراد به ما قام الدّليل على اعتباره من حيث حصوله من سبب خاصّ فتصديقه موقوف على أن لا يثبت ممّا تقدّم من الأدلَّة القطعيّة على حجيّة الظَّواهر والأخبار ما يفي بضميمة الأدلَّة القطعيّة بأغلب الأحكام بحيث لم يكن هناك مانع من الرّجوع إلى الأصول في المسائل الخالية عنه فهذا يتوقّف على سير في الأدلَّة وفي المسائل الفقهيّة ولو على نحو الإجمال حتّى يعلم وجود ما علم حجيّته بالخصوص في أغلبها وعدمه وليس هذا أمرا مضبوطا جدّا بل يختلف باختلاف اعتقاد العلماء في باب حجيّة الأمارات الخاصّة ومذهب شيخنا قدس سره لا يستفاد من الكتاب قطعا وقد استفدت من كلماته في مجلس البحث وغيره أنّه يعتقد وفاء الظَّنون الخاصّة بأغلب الأحكام بضميمة الأدلَّة العلميّة وإن كان الظَّن الخاصّ منحصرا في زعمه حسبما عرفت بظواهر الألفاظ والخبر المفيد للوثوق والاطمئنان وكلّ ما يوجب نفي الرّيب بالإضافة في باب التّعارض كما ستقف عليه في الجزء الرابع ثمّ إنّ إثبات هذا الجزء من المقدّمة الأولى هو العمدة في المقام لأنّ إثبات انسداد باب العلم في الأغلب وكذا إثبات سائر المقدّمات لا يحتاج إلى إتعاب النّظر بل هو أمر مسلَّم عندهم ولذا لم يتعرّض أكثر المستدلَّين بالدّليل له إلَّا على سبيل الإشارة والإجمال في الجملة كصاحب المعالم والشّيخ في الزّبدة فإنّهما أبطلا الرّجوع إلى البراءة بعدم حصول الظَّن منها