من تحصيل العلم في المسألة يتعيّن تحصيل العلم فيها ومع العجز عنه يرجع إلى الأصول فعلى كلّ تقدير لا يرجّح الظَّن والوهم وإن كان العمل على طبق أحدهما
نعم ؛ لو فرض في مقام وجوب ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر وكان الأمر دائرا بينهما لزم في حكم العقل ترجيح الظَّن وقبح ترجيح الوهم بل يقبح التّوقف أيضا
قوله قدس سره : وفيه أنّ التوقف عن ترجيح الراجح أيضا قبيح كترجيح المرجوح فتأمّل
أقول : كأنّه قدس سره زعم من الجواب كون المراد منه مجرّد عدم ترجيح المرجوح فأورد عليه بما ذكره ولو حمله على ما عرفت في شرح المراد منه لم يورد عليه أصلا فإنّه راجع كما ترى إلى ما أفاده في الجواب الحلَّي عن الوجه المذكور فليته ذكر في وجه التّأمل ما يرجع إلى الجواب الَّذي ذكره عن الجواب لا ما أفاده بقوله في الحاشية وجه التّأمل أنّ مراد المستدلّ من الرّاجح والمرجوح ما هو الأقرب إلى الغرض والأبعد عنه في النّظر ولا شكّ في وجوب التّرجيح بمعنى العمل بالأقرب وقبح تركه مطلقا فلا فرض لعدم وجوب التّرجيح يردّ به هذا الدّليل فلا فائدة في الرّد انتهى كلامه قدس سره في حاشية الكتاب في وجه التّأمل فإنّ ما أفاده يرجع إلى تأييد الاستدلال بعد الجواب عن الإيراد عليه بقوله وفيه إلى آخره ويتوجّه عليه مضافا إلى أنّه ليس المقام مقام الأمر بالتّأمّل بأنّ تنزيل الاستدلال عليه موجب لأخذ تمام مقدّمات دليل الانسداد في هذا الوجه وعليه لا يتوجّه عليه ما أفاده من الإيراد أيضا كما لا يخفى
قوله قدس سره : فيما حكاه عن أستاذه شريف العلماء عن أستاذه السيّد الأجلّ الآقا ميرزا سيّد علي قدّس سرّهما في مجلس المذاكرة لأنّ الجمع على غير هذا الوجه إلخ
أقول : الصّور المتصوّرة بعد بطلان الاحتياط الكلَّي في جميع الوقائع المشتبهة كثيرة الاحتياط في المظنونات فقط والاحتياط في المشكوكات فقط دون المظنونات والموهومات والاحتياط في الموهومات فقط والتّبعيض بين الجميع والتبعيض بين البعض المتصوّر بصور كثيرة غير مخفيّة وعين الوجه الأوّل في الجمع بين قاعدة وجوب الاحتياط من جهة العلم الإجمالي وقاعدة نفي الحرج بإبطال غيره بالإجماع وهو بظاهره محلّ مناقشة واضحة إذ بعد الغضّ عن سند قيام الإجماع يتوجّه عليه بأنّ تعيّن الأخذ بالظَّن من جهة الإجماع يخرج الدّليل عن الدّليل العقلي فالأولى بناء عليه التمسّك بقيام الإجماع على وجوب العمل بالظَّن عند انسداد باب العلم في الأحكام الشرعيّة كما ذكره في القوانين وغيره هذا كلَّه مضافا إلى أنّ صريح الوجه المذكور وجوب الاحتياط في مظنونات التّكليف الإلزامي وأين هذا من حجيّة مطلق الظَّن في الأحكام الشّرعيّة وستقف على الفرق بينهما مضافا إلى وضوحه عند تعرّض شيخنا الأستاذ العلامة له في طيّ دليل الانسداد
قوله قدس سره : إنّه راجع إلى دليل الانسداد إلخ
أقول : توقّف إتمام هذا الدّليل على أخذ مقدّمات دليل الانسداد فيه ممّا لا ريب فيه أصلا إذا مجرّد العلم بوجود الواجبات والمحرّمات مع فرض انفتاح باب العلم أو الظَّن الخاصّ أو الرّجوع إلى ما ينفي التّكليف في جميع الوقائع مع فرض الانسداد أو إلى الأصول في الوقائع لا يقتضي العمل بالظَّن قطعا فيتوجّه عليه مضافا إلى ما عرفت ما أفاده قدس سره بقوله مع أنّ العمل بالاحتياط في المشكوكات أيضا إلى آخره حيث أنّ مبنى الدّليل المذكور على ما عرفت على وجوب العمل بالاحتياط في المظنونات وترك العمل به في المشكوكات والموهومات دفعا للحرج فإذا فرض اندفاع الحرج من ترك الاحتياط في الموهومات من جهة كثرتها فلا يلزم هناك حرج من ضم الاحتياط في المشكوكات إلى الاحتياط في مظنونات التّكليف فلا مانع من الحكم بوجوبه بمقتضى العلم الإجمالي الكلَّي ودعوى ضمّ المشكوكات بالموهومات من حيث عدم وجوب الاحتياط من جهة عدم القول بالفصل فاسدة جدّا من حيث أنّ عدم وجوب الاحتياط في الموهومات إنّما هو من جهة دفع الحرج لا من جهة تعيين المعلومات الإجماليّة بالظَّن وكلّ من قال بعدم وجوب الاحتياط في الموهومات من جهة ذهابه إلى حجيّة الظَّن المطلق أو الخاص قال بعدم وجوبه في المشكوكات من جهة العلم الإجمالي الكلَّي أيضا وإن التزم بوجوبه من جهة العلم الإجمالي الخاصّ الموجود في بعض المسائل وكلّ من قال بعدم وجوبه في الموهومات من جهة لزوم الحرج من مراعاته فيها مع اعترافه باندفاع الحرج من الاقتصار في مخالفة الاحتياط عليها لا يقول بعدم وجوب الاحتياط في المشكوكات بل يقول بوجوب الاحتياط فيها
قوله قدس سره : الدّليل الرّابع هو الدّليل المعروف إلخ
أقول : للدّليل المذكور في كلماتهم تقريرات مختلفة وبيانات متعدّدة من حيث أخذ بعض المقدّمات فيه وتركه من جهة وضوحه أو استفادته ممّا ذكر من المقدّمات كالعلم الإجمالي بالواجبات والمحرّمات في الوقائع وكوننا مكلَّفين بها كالحاضرين الغير الموجودين كما سلكه قدّس سرّه وإن كان مستفادا من مطاوي ما ذكره من المقدّمات كوجوب التّعرض لامتثال الأحكام المشتبهة وعدم جواز إهمالها
ثمّ إنّ الدليل المذكور قد يقرّر بالنّسبة إلى وجوب الامتثال والعمل بالأحكام المشتبهة على كثرتها وقد يقرّر بالنّسبة إلى تحصيل الأحكام وحفظها عن الضّياع وضبطها من حيث وجوب حفظ الأحكام الدّينيّة كفاية على المكلَّفين ولو لم يكن متعلَّقا لعمل المأمور بمعرفته وضبطه كأحكام النّساء للرّجال وكالأحكام الغير الإلزاميّة والمعروف في تقريره هو الوجه الأوّل والفرق بينهما لا يكاد أن يخفى إذ على الأوّل يكون تحصيل الظَّن من باب المقدّمة للعمل كتحصيل العلم فلا يجب إلَّا إذا وجب العمل فلا يقتضي الدّليل اعتبار الظَّن بالنّسبة إلى غير الأحكام الإلزاميّة ويحتاج إتمامه إلى إبطال الاحتياط والرّجوع
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 189
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٨٩