تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦

ولا ينافي ما ذكرنا في الموضع الأوّل من حكم العقل بالوجوب في المحتمل من الأخروي مطلقا للفرق بين الضّررين كما لا يخفى كالفرق بين مراتب الضّرر الدّنيوي حسبما عرفت لكن حكمه بالوجوب فيما يحكم به من الضّرر الدّنيوي حتّى في المقطوع منه إنّما هو من حيث ذات الضّرر وعنوانه بنفسه مع قطع النّظر ممن ضمّ عنوان آخر حسن إليه ( 1 ) بالعرض كحكمه بالحسن والقبح في كثير من الموضوعات والعنوانات فإنّه ليس إلَّا بالملاحظة الَّتي ذكرنا وليس العنوان المعروض للحسن والقبح فيها علَّة تامّة لهما في نظر العقل بل إنّما هو مقتض لهما فإن شئت قلت إنّهما يعرضان في أكثر الموارد للعنوانات المقيّدة بعدم المزاحم لا المطلقة البسيطة كما في بعض الموارد كقبح الكفر باللَّه والظلم والمعصية وحسن الإيمان باللَّه وإطاعته مثلا فإذا حكم الشّارع في مورد بتعريض النّفس للمهلكة فيكشف ذلك عن ضمّ عنوان حسن إلى الضّرر غالب على قبحه ومن هنا ذكر قدس سره في الكتاب أنّه يجوز إذن الشّارع في ارتكاب الضّرر المقطوع الدّنيوي فضلا عن المظنون منه وإن كان مجرّد احتمال ذلك غير مجد في نظر العقل وإلَّا لزم تأثير الأمر النّفس الأمري في الأمر الوجداني وهو محال ظاهر على ما عرفت مفصّلا ثمّ إنّ الحكم العقلي المذكور يكشف بقاعدة التّلازم من حيث قابليّة المورد سواء كان في مقطوع الضّرر أو مظنونه عن حكم شرعيّ مولويّ يعاقب على مخالفته وإن تخلَّف الاعتقاد عن الواقع لما عرفت من استحالة طريقيّة الاعتقاد في المستقلَّات العقليّة ومن هنا ذكر الفقهاء رضوان اللَّه عليهم في باب القصر أنّ سلوك طريق مقطوع العطب أو مظنونه معصية يجب إتمام الصّلاة معه وإن انكشف عدم الضّرر وليس قولهم هذا مبنيّا على حرمة التّجري كما زعم واستظهره شيخنا العلَّامة قدس سره من كلماتهم على ما عرفت في أوّل الكتاب في فروع مسألة العلم بل على ما ذكرنا وليس هذا كحكمه في الضّرر الأخرويّ من حيث عدم إمكان كشفه عن حكم شرعيّ مولوي في مورده على ما عرفت شرح القول فيه في الموضع الأوّل هذا في الضّرر الدّنيوي الَّذي يستقلّ العقل بالحكم فيه وقد عرفت عدم إمكان جعل الظَّن طريقا بالنّسبة إليه من حيث اختصاص طريقيّته بما يكون الحكم عارضا لمتعلَّقه نعم ؛ يمكن طريقيّته فيما لوحظ بالنّسبة إلى الحكم الشّرعي المعلَّق على نفس ارتكاب المضر الواقعي ولو كان مهلكا ويحكم العقل بوجوب الدّفع في مقطوعه ومظنونه بل مشكوكه فتدبّر وأمّا الضّرر الَّذي لا يستقلّ العقل بحكمه من حيث كونه دون المرتّبة الَّتي يحكم العقل فيها فلا إشكال في إمكان ثبوت الحرمة الشّرعيّة له من حيث كون الموضوع في الحكم الشّرعي في باب الضّرر أوسع منه في الحكم العقلي وحكم العقل بوجوب الدّفع إجمالا من جهة تصديق الشّارع نظرا إلى عكس قاعدة التّلازم كما هو الشّأن في جميع موارد ثبوت الحكم الشّرعي فيما لا يستقلّ العقل بحكمه فلا إشكال في إمكان جعل الظَّن طريقا بالنّسبة إليه خصوصا أو عموما من جهة قيام دليل خاصّ أو عامّ كشبه دليل الانسداد حيث إنّه قد يقال بجريانه في بعض الموضوعات الَّتي منها الضّرر على ما عرفت الإشارة إليه في شرح الحاشية وعلى هذا القسم لا بدّ من أن يحمل ما أفاده قدس سره فيها لما عرفت من استحالة طريقيّة الظَّن فيما يستقلّ العقل بحكمه ثمّ إنّ هذا الَّذي ذكرنا إنّما هو فيما لو تعلَّق الظَّن ابتداء بالضّرر الدّنيوي وإن تعلَّق الظَّن بالحرمة من جهته كما فيما يظنّ كونه مضرّا في الموضوعات الخارجيّة وأمّا إذا تعلَّق الظَّن ابتداء بالحرمة فيظنّ من جهته بالضّرر الدّنيوي كما في الظَّن بالتّحريم مثلا في الشّبهات الحكميّة حسبما يبحث عنه بناء على ما هو المقرّر عند العدليّة من تبعيّة الأحكام الشّرعيّة للمصالح والمفاسد النّفس الأمريّة فلم يقم هناك دليل على حجيّة الظَّن حتّى يجب متابعته لما عرفت من عدم استقلال العقل فيه بحكم والدّليل الدّال على حرمة ارتكاب المضرّ لا يجدي مع عدم إحراز الموضوع بالطَّريق المعتبر والمفروض إذن الشّارع بالرّجوع إلى الأصول فيما لم يقم هناك دليل على الرافع حتّى في مورد قيام الظَّن فالضّرر وإن كان مظنونا من جهة الظَّن بالتّحريم الشّرعي إلَّا أنّه مع كونه متداركا على تقدير ثبوته من جهة إذن الشّارع فيه الثّابت بالفرض لا يستقلّ العقل فيه بشيء فجعل مطلق الظَّن بالضّرر في الفرض حجّة يتوقّف على جعل الظَّن بالحرمة مطلقا حجّة شرعيّة من دليل الانسداد ونحوه فيرجع الكلام إلى عدم صلاحيّة قاعدة وجوب الدّفع لجعل الظَّن بالتّحريم والوجوب حجّة في الأحكام الشّرعيّة من حيث استلزامه للظَّن بالضّرر الدّنيوي إمّا من جهة منع استقلال العقل في ذلك الَّذي يرجع إلى المنع الكبروي وإمّا من جهة ثبوت التّدارك من إذن الشّارع في مورد الظَّن المستفاد من أدلَّة حرمة العمل بغير العلم وأدلَّة الأصول فيرجع إلى المنع الصّغروي وإن كان الثّاني منظورا فيه نظرا إلى أنّه بعد تسليم استقلال العقل في الحكم لم يكن هناك محلّ للرّجوع إلى عمومات حرمة العمل بغير العلم أو أدلَّة الأصول فلا بدّ من منع استقلال العقل وإن كان إذن الشّارع على تقدير مصادفته للوقوع في الضّرر في مورد ثبوته يتدارك به الضّرر فلعلّ هذا وجه أمره قدس سره بالتّأمّل وإن كان بعيدا عن مساق العبارة إذ الظَّاهر منها بعد إمعان النّظر كما صرّح به قدس سره في مجلس المذاكرة على ما هو ببالي وعرفت توجيه التّأمّل به في مطاوي شرح الحاشية التّأمل في حكم الظَّن المتعلَّق ابتداء بالضّرر كما في الشّبهة الموضوعيّة والظَّن المتعلَّق به ثانيا وبالعرض من جهة الظَّن المتعلَّق بالحكم الإلزامي الشّرعيّ كما في الشّبهة الحكميّة فإنّ المناط هو الظَّن بالتّضرّر عند العقلاء فلا بدّ إمّا من القول بعدم حكم العقل في الصّورتين

هامش
( 1 ) يوجب حسن ارتكابه
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 186 | ميرزا محمد حسن الآشتياني