تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
مخالفته للوجدان السّليم موجب لإقحام الأنبياء وأن لا يكون للَّه تعالى حجّة على غير النّاظر وعدم حكمه بوجوب شكر المنعم الَّذي هو مبنى وجوب معرفة اللَّه تعالى ولو في حقّ المتوهّم فليس حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون من حيث كون الظَّن طريقا إلى الضّرر النّفس الأمري وإلَّا لم يتحقّق في المشكوك والموهوم كما لا يخفى مضافا إلى ما عرفت في المقدّمة من استحالة لحوق حكم العقل للموضوع النّفس الأمري بل من حيث ذاته كالمقطوع فالعلم والظَّن سيّان من هذه الجهة ثمّ إنّ الحكم العقلي المذكور في المقام وإن كان إرشاديا كسائر الأحكام العقليّة إلَّا أنّه لا يمكن أن يجعل دليلا على الحكم الشّرعي المولوي كما في أكثر الموارد بل يجعل دليلا على الحكم الإرشادي للشّارع لاستحالة الاستكشاف من ذلك في المقام كما في حكمه في مسألة وجوب الإطاعة وحرمة المعصية حيث أن حكم العقل فيها لا يمكن أن يجعل دليلا إلَّا على الحكم الإرشادي للشّارع كما هو واضح لا سترة فيه فكلّ ما ورد ممّا يدلّ على الطَّلب الإلزامي من الآيات والأخبار فيحمل على الطَّلب الإرشادي فيكون تأكيدا لحكم العقل به كأوامر الإطاعة ثمّ إنّ حكم العقل فيما ذكرنا من الضّرر الأخروي بمراتبه المذكورة لا يبحث فيه من حيث إنّه لاحق للضّرر أو الضّرر الغير المتدارك حيث أنّ إيقاع الشّارع في الضّرر الأخروي مع جبره بالتّدارك غير معقول وإن كان حكم العقل لاحقا عند التّحقيق للضّرر الغير المتدارك مطلقا ففي كلّ موضع لم يحكم فيه بوجوب الدّفع بالنّسبة إلى الضّرر الأخروي مع إذن الشّارع خصوصا أو عموما فليس من جهة كشفه عن التّدارك وارتفاع القيد للموضوع العقلي بل من جهة ارتفاع أصل الضّرر مع إذن الشّارع ضرورة امتناع التّخصيص بل الحكومة بالنّسبة إلى الأحكام العقليّة فلا بدّ أن يجعل دليل الإذن واردا على الحكم العقلي ورافعا لموضوع حكمه حقيقة فإذا فرضنا في المقام كما هو المفروض عدم قيام دليل من الخارج على حجيّة الظَّن بالوجوب والتحريم بل أريد إثبات حجيّته بنفس حكم العقل من حيث كون الظَّن بهما ظنّا بالضّرر الأخروي فهو إنّما يتمّ فيما إذا كان الظَّن بهما ظنّا به مع قطع النّظر عن حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون وإلا لدار فلا يتمّ القياس والاستدلال والمفروض أنّ الحاكم باستحقاق العقاب على مخالفة المولى العقل فلا يعقل أن يتبع حكمه المخالفة الواقعيّة التّابعة للطَّلب الحتمي النّفس الأمري بل إنّما يتبع تبيّن الطَّلب وقيام الدّليل عليه عند المكلَّف ولو في مرحلة الظَّاهر إلَّا فيما لا يعذر فيه الجاهل من جهة جهله مع التّقصير حيث أنّ نفس احتمال الحكم الإلزامي يكفي في تنجزّه في حقّه كما هو واضح وهذا معنى ما ذكرنا من لحوق حكم العقل للموضوع الوجداني لا النّفس الأمريّ ومن هنا ذكر شيخنا قدس سره في مطاوي كلماته الشّريفة أنّ حكم العقل بالاستحقاق يتبع المعصية الَّتي هي من الأمور الوجدانيّة لا المخالفة الواقعيّة للخطاب الشّرعي النّفس الأمري فإذا لا يحتاج في إبطال جعل حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون الأخروي دليلا على حجيّة الظَّن بالوجوب والتحريم إلى ملاحظة ورود دليل البراءة على هذه القاعدة العقليّة بل نفس القاعدة غير جارية إذا فرض استحالة جعلها موجبة للصّغرى وهو الظَّن بالضّرر والعقاب حسبما عرفت وهذا معنى عدم إمكان الاستدلال على حجيّة الظَّن بقاعدة وجوب دفع الضّرر بل قد يتأمّل في إبطال جعله دليلا من جهة الورود المذكور بعد تسليم وجود الموضوع لقاعدة وجوب الدّفع مع قطع النّظر عن حكم العقل في قاعدة قبح العقاب من غير بيان وغيره من أدلَّة البراءة حيث إنّه يجعل بيانا بعد تسليم وجود موضوعه بالملاحظة المسطورة ودليلا ظاهريّا على وجود الحكم الإلزامي فيجعل واردا على دليل البراءة وإن كان فاسدا بما أشرنا إليه سابقا عن قريب في توضيح ما أفاده قدس سره من لزوم الدّور في كلامه السّابق في الهامش فتأمّل فإنّ المقام حقيق بالتأمّل فيه بل قد يقال برجوع ما أفاده قدس سره في غير موضع من ورود دليل البراءة على القاعدة إلى ما ذكرناه وبالجملة حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون عند الظَّن بالوجوب والتّحريم سواء كان في الشّبهة الحكميّة أو الموضوعيّة إنّما يجعل دليلا على عدم معذوريّة المكلَّف وحسن عقابه على الواقع المظنون فيما فرض عدم معذوريّة الجاهل من جهة جهله من غير توقّف على كون الظَّن دليلا كما في الجاهل المقصّر الَّذي منه التّارك للنّظر في المعجزة فهذا الدّليل لا يتمّ إلَّا بإرجاعه إلى دليل الانسداد فلا يكون دليلا مستقلَّا على المدّعى كما هو المدّعى والقول بعدم المانع من جعله دليلا مستقلَّا مع توقّفه على ضمّ مقدّمات الانسداد نظرا إلى أنّه قد يؤخذ مقدّمات دليل في دليل آخر كما في القوانين فيه ما لا يخفى ثمّ إنّ الحكم العقلي المذكور فيما يكون ثابتا كما في موارد عدم معذوريّة الجاهل حسبما عرفت إنّما يصحّ دليلا على حسن المؤاخذة على الواقع المظنون على تقدير ثبوته واقعا وفي نفس الأمر لا على حجيّة الظَّن بالحكم الإلزامي وإلَّا لم يتحقّق في المحتمل إذ لا يعقل طريقيّة مجرّد الاحتمال مع أنّك قد عرفت ثبوت حكمه في المحتمل كالمظنون وهذا وإن كان أمرا ظاهرا لا سترة فيه بعد التّأمّل فيما ذكرنا إلَّا أنّه كلام آخر لا تعلَّق له بالمقام هذا بعض الكلام في الموضع الأوّل وأمّا الموضع الثّاني وهو الضّرر الدّنيوي فتفصيل القول فيه أنّه لا شبهة في استقلال العقل في الحكم بوجوب دفع مقطوعه ومظنونه في الجملة ولو كان في خصوص ما يوجب هلاك النّفس أو يقرب منه عادة بل التّحقيق حكمه بوجوب دفع المحتمل من هذا القسم من الضّرر الدّنيوي الَّذي يحكم به مع القطع أو الظَّن به في الجملة أي في بعض مراتب الاحتمال