من حيث هو حتّى يخرج عن المسائل على كلّ تقدير وعن المبادي على بعض التّقادير أيضا ولمّا كان البحث عن ثبوت السّنة المفروغ اعتبارها بحثا عن عوارضها ومحمولاتها بعد الفراغ عنها فلا محالة يدخل في مسائل العلم وتوهّم أنّ البحث في المسألة يرجع إلى البحث عن وجود السّنة فيدخل في المبادي على كلّ تقدير فاسد فإنّ الخبر ليس واسطة للثّبوت حتّى يتوهّم ما ذكر بل واسطة للإثبات في مرحلة الظَّاهر ضرورة أنّ وجود السّنة واقعا لا يتوقّف على الإخبار بها فضلا عن حجيّته فتدبّر
قوله قدس سره : ثمّ اعلم أنّ أصل وجوب العمل إلخ
أقول : هذا الكلام منه قدّس سرّه أيضا يرجع إلى تحرير محلّ الكلام في المسألة فنقول إنّه لا كلام في أنّ ما في الكتب في الجملة مرجع العلماء في الأحكام على اختلاف مذاهبم في العمل بأخبار الآحاد فإنّ المنكرين لحجيّتها يرجعون إليها ويعملون بجملة منها لدعوى التّواتر أو الاحتفاف بالقرينة والقائلين بحجيّتها من حيث الخصوص على اختلاف مذاهبهم يرجع كلّ فريق منهم إلى ما يراده جامعا للشّرائط والقائلين بالظَّن المطلق يرجعون إلى ما يحصل الظَّن منه بالحكم الشّرعي أو ما يظنّ حجيّته أو كليهما على اختلاف مذاهبهم في نتيجة دليل الانسداد وقد عرفت أنّ الإجماع بل الضّرورة على هذا الأمر المجمل مضافا إلى عدم رجوعه إلى المعنى الاصطلاحي لا يفيد شيئا كما أنّه لا كلام في فساد دعوى قطعية جميعه كما عن غير واحد من متأخّري الأخباريّين أو جلَّه كما عن بعضهم كما أنّه لا كلام في صحّة دعوى قطعيّة بعضها بالتّواتر أو الاحتفاف بالقرينة
نعم ؛ هنا كلام بين السّيد وأتباعه والمشهور في قطعيّة كثير منها لكنّه خارج عن البحث في المسألة
قوله قدس سره : أمّا حجّة المانعين إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه لو بنى على الاستدلال للمنع بالآيات النّاهية لجاز الاستدلال له بالعقل بل بالأدلَّة الأربعة الدّالة على حكم ما شكّ في اعتباره ولا يخصّص بخصوص الآيات النّاهية
وبعبارة أخرى لو بنى في المقام على الاستدلال بما دلّ على المنع عن خصوص الأخبار الغير المعلومة لم يجز الاستدلال بالكتاب وإلَّا لم يجز ترك الاستدلال بغيره ممّا دلّ على حكم الأخبار من حيث دخولها في موضوع غير العلم إذ ملخّص الاستدلال بالآيات يرجع إلى إثبات الأصل في المسألة ولا كلام لأحد في أنّ مقتضى الأصل الأوّلي عدم الحجيّة فمرجع الاستدلال إلى أنّ الأصل في المسألة مع المانع كما أنّ مرجع الاستدلال بالتّعليل في آية النّبأ كما عن أمين الإسلام الشّيخ الأجل الطَّبرسي إلى ذلك أيضا إذ مفاد التّعليل وجوب التّبين إرشادا في كلّ ما لا يؤمن مخالفته للواقع فهو وجوب إرشاديّ عقليّ ثابت في كلّ ما يكون العمل به وسلوكه في معرض مخالفة الواقع وهو أحد وجوه حرمة العمل بغير العلم قد تقدّم تفصيل القول فيه عند الكلام في تأسيس الأصل في مسألة الظَّن
قوله قدس سره : وأمّا السّنة فهي أخبار كثيرة إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ استدلال المانعين بالأخبار المذكورة في الكتاب وغيرها مبنيّ على خروج ما وافق الكتاب أو السّنة النّبويّة القطعيّة وإن لم يوجب الموافقة العلم بصدور الخبر عن محلّ النّزاع ضرورة أنّ موافقتهما لا يوجب العلم بصدور الخبر فضلا عن موافقة أحدهما إذ وجودهما لا يلازم صدور الخبر على طبقهما أصلا على ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا
نعم ؛ مقتضى الخبر الأوّل قصر الحجّة من الأخبار على خصوص معلوم الصّدور لكنّه معارض بسائر الأخبار
ثمّ لا يخفى عليك أنّ الاستدلال في المسألة بالأخبار منعا وإثباتا لا يجوز إلَّا بما يكون قطعي الصّدور بأحد أسبابه من التّواتر اللَّفظي أو المعنوي أو الإجمالي الرّاجع إلى الثّاني باعتبار أو الاحتفاف بالقرينة أو التّعاضد بما يوجب العلم بصدوره فيما فرض ذلك ودعوى جواز استدلال المانع بأخبار الآحاد الدّالة على المنع في المسألة من باب الإلزام وإسكات الخصم مع أنّه لا يعدّ دليلا وطريقا إلى المطلوب فاسدة جدّا كما ستقف على وجه الفساد في الجواب عن الاستدلال بالإجماع المدّعى في كلام السيّد قدّس سرّه على المنع ولمّا لم يكن في المقام من الأخبار الَّتي استدلّ بها على المنع ما تواتر لفظا فلا بّد أن يؤخذ بالقدر الثّابت المتيقّن من جميعها المدلول عليه بتمامها أو القدر المتواتر منها لو زيدت عددا من أوّل حدّ التّواتر فإنّها كما ترى مختلفة المضمون من جهات فإنّ الخبر المرويّ في البحار عن بصائر الدّرجات يعارض سائر ما في الباب من حيث جعل المدار في الأخذ والطَّرح العلم بالصّدور وعدمه في رواية البصائر وفي السّائر موافقة الكتاب أو هو مع السّنة وإن لم يحصل معها العلم بالصّدور على ما عرفت والجمع بينهما وإن أمكن بتقييد الموافقة بما لو حصل منها العلم بالصّدور ؛ فتدبّر
إلَّا أنّه لا معنى له بعد كون رواية البصائر من أخبار الآحاد المانعة من العمل بنفسها فإنّها لا يعلم أنّها قول الإمام عليه السلام وسائر الأخبار يختلف من جهات شتّى
منها ذكر السّنة في بعضها جمعا من جهة العطف بالواو أو تخييرا من جهة العطف بأو وعدم ذكرها في كثير منها
ومنها جعل المدار في الأخذ والطَّرح الموافقة وعدمها كما في جملة منها وجعل المدار الموافقة والمخالفة في بعضها
ومنها الحكم ببطلان ما لم يوجد فيه مناط القبول كما في بعضها والحكم بعدم جواز تصديق ما لم يوجد فيه المناط كما في بعضها الآخر
ومنها التّصريح بتعميم الرّاوي من حيث كونه برّا أو فاجرا أو ثقة أو غير ثقة كما في بعضها والإطلاق
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 143
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٤٣