للعلم بقول المعصوم عليه السلام مع مخالفة الباقين في الشّهرة موضوعا ولحوقها بالإجماع حكما
فتدبّر فالشهرة وإن لم تكن مقابلة للإجماع بحسب اللغة والعرف العام المطابق لها إلَّا أنّها مقابلة له في العرف الخاص وإن افترقا في الاصطلاح من جهة أخرى غير اعتبار حصول العلم من الإجماع واعتبار عدمه في الشّهرة حيث إنّ المعتبر في الإجماع اتّفاق الكلّ في عصر واحد والمعتبر في الشّهرة اعتبار اتّفاق الجلّ الَّذي لا يتحقّق في عصر إلَّا باعتبار الإضافة الخارجة عن محلّ البحث وكيف كان قد يستند بعض المشتقّات من هذه الكلمة إلى العلماء فيقال ذهب المشهور أو قال المشهور أو نحوهما وأنت خبير بأنّ هذا الإسناد لا يخلو عن تكلَّف بأن يقال إنّ المراد ذهاب من يتحقّق من قولهم الشّهرة في المسألة أو نحو ذلك هذا بعض الكلام في موضوع الشّهرة
وأمّا الكلام فيها من الجهة الثّانية إلى حكمها من حيث الحجيّة بالخصوص وعدمها فملخّصه أنّ المستفاد من كلماتهم في حكمها قولا أو احتمالا وجوه
أحدها : ما نسب اختياره إلى الشّهيد قدّس سرّه في الذّكرى وإلى بعض الأصوليّين من أصحابنا المتأخّرين في رسالته الَّتي أفردها في الشّهرة من كونها حجّة بالخصوص بل يظهر من محكي الشّهيد قدّس سرّه ذهاب بعض من تقدّم عليه إلى هذا القول فإنّه قال في محكيّ الذّكرى وألحق بعض الأصحاب المشهور بالمجمع عليه وهو قريب إن أراد الإلحاق في الحجيّة لا في كونه إجماعا ثمّ استدلّ له بوجهين أحدهما أنّ عدالتهم تمنع من الاقتحام على الإفتاء بغير علم ثانيهما حصول قوّة الظن في جانب الشّهرة ثمّ قال سواء كان اشتهارا في الرّواية بأن يكثر تدوينها أو في الفتوى
ثانيها : ما ذهب إليه الأكثر بل نقلت الشّهرة عليه من عدم حجيّتها بالخصوص
ثمّ إنّ القائلين بهذا الوجه منهم من يذهب إلى عدم حجيّتها رأسا وبقائها تحت أصالة حرمة العمل بالظَّن وغير العلم وهم الأكثرون منهم من جهة ذهابهم إلى حجيّة الظَّنون الخاصة الكافية في الفقه بانضمام الأدلَّة العلميّة ومنهم من يذهب إلى حجيّتها من حيث الظَّن المطلق الخارج عن محلّ البحث
ثالثها : ما يقال من عدم حجيّتها بالخصوص وكونها كالقياس المحرّم عند الشّيعة
ثمّ إنّ الأصل في المسألة لمّا كان عدم الحجيّة على ما عرفت من أنّه الأصل الأوّلي في كلّ ما لم يقم دليل على اعتباره فلا محالة لا يحتاج القول الثّاني إلى الاستدلال أصلا لكونه على طبق الأصل فالمحتاج إلى الاستدلال الوجهان الآخران
فما ارتكبه بعض الأفاضل ممّن قارب عصرنا في رسالته المعمولة في المسألة من الاستدلال على عدم الحجيّة بحكم العقل من حيث إنّ حجيّتها مستلزمة لعدمها فإنّ المشهور عدم حجيّة الشهرة وما يستلزم وجوده عدمه فهو محال ممّا لا يحتاج إليه أصلا حتّى نتكلَّم في الجواب عنه تارة بأنّ الشّهرة القائمة على عدم حجيّة الشهرة قائمة في المسألة الأصوليّة والشهرة الَّتي ذهبوا إلى حجيّتها هي الشّهرة في المسألة الفرعيّة فلا يستلزم من حجيّتها عدم حجيّتها وأخرى بأنّ مرجع الشّهرة القائمة على عدم حجيّة الشّهرة إلى عدم وجدان المشهور دليلا على حجيّتها فحكموا بعدمها من حيث الأصل فلا كشف في هذه الشّهرة أصلا فهي نظير بيّنة النّفي المستندة إلى الأصل ومن هنا حكموا بعدم حجيّتها من حيث عدم كشفها عن شيء فملخّص قول المشهور أنّهم لم يجدوا دليلا على حجيّة الشّهرة فلا يعقل جعله أمارة على عدم الحجيّة إلَّا أن يجعل عدم وجدانهم أمارة على عدم الوجود ؛ فتدبّر
أمّا الوجه الأوّل الَّذي اختاره الشّهيد قدّس سرّه وبعض آخر فيستدلّ له بوجوه
أحدها : ما استدلّ به الشّهيد فيما عرفت من كلامه من أنّ عدالتهم يمنع من الإقدام على الإفتاء بغير علم ومراده من العلم هو العلم بالحكم بالمعنى الأعمّ من الحكم الواقعي والظَّاهري كما قيل في وجه تعريف الفقه بالعلم بالأحكام مع كون أكثر مداركه ظنيّة وأنت خبير بأنّ هذا الوجه لا محصّل له أصلا إذ العلم باستناد المشهور إلى ما لا نراه دليلا أو إلى ما لا يفيد العلم بالواقع في نظرنا أو إلى ما يحتمل الخطاء في حقّهم ليس أمرا يستحيله عقل أو عادة غاية ما هناك الظَّن بإصابتهم للواقع ما لم يكن هناك ما يوجب الوهن في افتائهم فيرجع الأمر بالأخرة إلى دعوى كون الشّهرة من الأمارات الظَّنية ولا كلام لنا فيه أصلا وإن منعه في المعالم في الشّهرة الحاصلة بعد زمان الشّيخ قدّس سرّه وإنّما الكلام والبحث في المقام في الكبرى أي حجيّة الظَّن الحاصل منها بالخصوص
ثانيها : ما يستفاد من كلامه قدّس سرّه أيضا من قوّة الظَّن في جانب الشّهرة وهذا كما ترى يرجع أيضا إلى بيان الصّغرى والاستدلال بها وكبراها إمّا مبنيّة على حجيّة مطلق الظَّن القوي بدليل الانسداد كما يستفاد من المعالم من كون نتيجة دليل الانسداد حجيّة الظَّن القوي على ما سيأتي الكلام فيه وهو خارج عن محلّ البحث إذ ليس الكلام في حجيّة الشّهرة على تقدير القول بحجيّة مطلق الظَّن وإمّا مبنيّة على ما زعمه بعض من دلالة ما دلّ على حجيّة خبر العادل على حجيّة الشّهرة بالأولويّة من حيث كون الظَّن الحاصل منها أقوى من الظَّن الحاصل من الخبر وسيأتي الكلام في فساد هذا الدّليل عن قريب
ثالثها : ما دلّ من أخبار العلاج على التّرجيح بالشّهرة من حيث الرّواية مثل مرفوعة زرارة ومقبولة عمر بن حنظلة وتقريب الاستدلال بكلّ منهما من وجهين أحدهما جعل الموصول في قوله ما اشتهر وفي قوله فإنّ المجمع
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 140
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٤٠