تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
والقواعد سواء كانت في الشّبهات الحكمية أو الموضوعيّة وإن كان الشّك مأخوذا في موضوعها إلَّا أنّها بأسرها أحكام ظاهريّة لكن لا ريب في إمكان أخذ الشّك في موضوع الحكم واقعا بمعنى كون الحكم واقعا تابعا للشّك ولم يكن حكم مع قطع النّظر عنه للواقع أصلا نعم ؛ قد وقع في الشّرعيّات أو قال به جمع تعلَّق الحكم الواقعي بعنوان ينطبق على الشّك ويتصادقان كالخوف الَّذي يترتّب عليه الإفطار والقصر والتيمّم في باب المسافة والطَّهارة وإن لم يظنّ بالتضرّر خلافا لمن قال بإناطة الحكم بالضّرر الواقعي وجعل الظَّن طريقا إليه وكعدم العلم بكون الشّيء من الدّين المأخوذ في موضوع التّشريع على ما عليه الأستاذ العلَّامة وفاقا لجمع من المحقّقين من لحوق حكم التّشريع واقعا لإدخال ما لم يعلم كونه من الدّين في الدّين بقصد كونه منه وإن كان لنا كلام فيه سيأتي في محلَّه فإنّه لا ريب في صدق هذين مع الشّك يشارك العلم في الطَّريقيّة والموضوعيّة ويفارقه في كيفيّة الطَّريقيّة حيث إنّ طريقيّة العلم ذاتيّة وواجبة وطريقيّة لا بدّ من أن يثبت من دليل خارجيّ وليس له بالنّظر إلى الذّات إلَّا إمكان الاعتبار على وجه الطَّريقيّة وإن كان أصل طريقيّة الظن وكشفه عن المظنون من لوازم ذاته ومن هنا علم أنّ ما ذكرناه بالنّسبة إلى كلّ من العلم والظن والشّك من إمكان تبعيّة الحكم الواقعي لكلّ منها فإنّما هو باعتبار جواز أخذها في موضوع الحكم واقعا حسب ما ينادي به كلماتنا السّابقة بمعنى توقف عروض الحكم للموضوعات الواقعيّة واقعا على تعلَّق أحد الأوصاف الثّلاثة به حسب ما يقتضيه دليل الأخذ وأمّا العلم والظَّن بنفس الحكم والشّك فيه فلا يمكن أن يعتبر شرطا في وجود الحكم واقعا بمعنى تبعيّة الحكم الواقعي لتعلَّق أحد الأوصاف الثّلاثة به ضرورة لزوم الدّور الظاهر على تقديره لبداهة توقّف كلّ من الأوصاف الثّلاثة على وجود متعلَّق لها وتأخّرها عنه فلو توقّف وجوده على وجودها لزم ما ذكرنا من المحذور ومن هنا ذكر غير واحد تبعا للعلَّامة أنّ شرطية العلم للتكاليف ليست على حدّ شرطيّة غيره من الشّروط وإلَّا لزم الدّور ومن هنا أشكل الأمر فيما تسالموا عليه من معذوريّة الجاهل في موضعين وسلكوا لدفع الإشكال الوارد عليه مسالك منحرفة وليس هذا كلَّه إلَّا من جهة ما عرفت وإن التزم بعض المتأخّرين تبعا للسيّد بكون العلم التّفصيلي مأخوذا في الموضوع فيهما مع وضوح فساده إلَّا أن يرجع إلى ما ذكرنا بتأويل بعيد نعم ؛ لا إشكال في جواز اشتراط تعلَّقها بحكم واقعي مجعول للموضوع الواقعي في وجود حكم آخر كما يكون الأمر كذلك بالنّسبة إلى الظن القائم بالحكم الشّرعي الكلَّي والشّك المتعلَّق به إذا فرض تعلَّق حكم به فإنّهما من حيث تعلَّقهما بالحكم الواقعي أخذا موضوعين في الحكم الظاهري كما أنّه لا إشكال في جواز اشتراط تعلَّقها بحكم في حكم واقعيّ آخر فإن قلت كيف تقول باستحالة كون العلم شرطا في التّكليف الواقعي والحكم النّفس الأمري مع أنّ كلماتهم مشحونة في باب بيان شرائط التّكليف من القول بشرطيّة العلم وأنّه من الشّرائط الأربعة ولم يعهد من أحد إنكار هذه المقالة قلت المراد من كونه شرطا في التكليف كونه شرطا في التّكليف الفعلي لا التّكليف الشّأني فلا يلزم محذور فشرطيّته للتّكليف ليس كشرطيّة سائر الشّرائط من القدرة والبلوغ والعقل فإنّها شرائط للتّكليف الثاني دائما نعم ؛ البلوغ ليس شرطا في جميع الأحكام بناء على القول بشرعيّة عبادة الصّبي فيكون الصّبي بالنّسبة إلى الحكم الاستحبابي مثلا كالبالغ في الجملة فافهم وعلى ما ذكرنا يحمل ما صرّح به العلَّامة في التّهذيب من أنّه لا يمكن أن يجعل العلم شرطا في التكليف وإلَّا فيلزم الدّور لتأخّر العلم عن المعلوم ولو توقّف المعلوم على العلم لزم تأخّره عنه أيضا فيلزم الدّور وما حكى عنه في المنتهى من أنّه لو علم الغصب وجهل التحريم لم يكن معذورا لأنّ التكليف لا يتوقّف على العلم به وإلَّا لزم الدّور المحال انتهى فمراده من التّكليف هو التّكليف الواقعي الثاني وإلَّا فاشتراط التّكليف الفعلي بالعلم أو ما يقوم مقامه ممّا يستقلّ به العقل ولم يخالف فيه أحد ولا يلزمه الدّور المحال أصلا لاختلاف المعلوم والمشروط كما لا يخفى ومنه يظهر اندفاع إيراد بعض أفاضل من عاصرناه عليه بأنّ اشتراط التّكليف بالعلم في الجملة ممّا لا إشكال فيه ولا يلزمه محال جزما ثمّ إنّ عدم اختلاف الحكم الواقعي فيما لا يكون العلم أو الظَّن مأخوذا في موضوعه باختلاف المكلَّفين بحسب العلم والجهل والظَّن ممّا لا إشكال فيه وإلَّا لزم الخلف مضافا إلى لزوم التّصويب الباطل عندنا بالأدلَّة السّمعيّة بل بالبراهين العقلية أيضا في الجملة ببعض معانيه كما ستقف على تفصيل القول فيه إن شاء اللَّه تعالى وأمّا اختلاف الحكم الظَّاهري بحسب اختلافهم في الأحوال الثّلاثة فممّا لا شبهة في جوازه في الجملة لأنّ الحاصل لكلّ مجتهد من القياس المعروف المؤلَّف من الصّغرى الوجدانيّة وهي أنّ هذا ما أدّى إليه ظنّي والكبرى البرهانيّة وهي أن كلّ ما أدّى إليه ظنّي فهو حكم اللَّه في حقّي وحقّ مقلَّدي هو العلم بحكم اللَّه الظَّاهري ومن المعلوم اختلاف أفهامهم في تحصيل الحكم من الأدلَّة الظَّنيّة ولذا لا يكون معنى للخطاء بالنّسبة إليه على تقدير انكشاف الخلاف بطريق القطع أو الظَّن المعتبر بل بحصول أحد الإدراكين ينقلب الموضوع إلى موضوع آخر نعم ؛ قد تفرض بالنّسبة إلى الحكم الظَّاهري أيضا كما لو فرض حكم الشارع بحجيّة شيء واقعا غير مشروط بحصول الظَّن منه قد جهله المكلَّف أو ظنّ خلافه كما لو فرض القول بحجيّة خبر الواحد على هذا الوجه فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الحكم الظَّاهري قد يكون له واقعيّة لا تختلف بحسب أحوال المكلَّفين كالحكم الواقعي نعم ؛ لا فعليّة له إلَّا بعد العلم به أو الظن المعتبر وقد لا يكون له واقعيّة بل تختلف باختلاف الظَّنون كما لو فرضنا الحجيّة معلَّقة على وصف الظَّن هذا بالنّسبة إلى الحكم الواقعي
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 14 | ميرزا محمد حسن الآشتياني