جميع الموضوعات الخارجيّة
قوله ثمّ إنّ هذا الَّذي ذكرنا في كون القطع إلخ
أقول : هذا الَّذي ذكره ممّا لا ينبغي أن يعتريه ريب ولا إشكال ولكن لا بدّ من أن يعلم أنّ طريقيّة الظَّن إنّما يتصور بالنّسبة إلى الحكم الواقعي المعلَّق على الموضوع الواقعي كما أنّ المراد بموضوعيّته في مقابل طريقيّته إنّما هو بالنّسبة إلى الحكم الواقعي بمعنى كون الحكم الواقعي تابعا للموضوع المظنون كما أنّ المراد من موضوعيّة العلم كان ذلك
وأمّا بالنّسبة إلى الحكم الظَّاهري المستفاد من أدلَّة اعتباره فهو موضوع دائما إذ من المستحيل عقلا صيرورة الظَّن طريقا بالنّسبة إلى الحكم الظَّاهري وتوضيح ما ذكرناه وتحقيقه على وجه يرتفع القناع عن وجه المرام متوقّف على بيان المراد من الحكم الواقعي بقول مطلق والظَّاهري
فنقول : أمّا الحكم الواقعي فهو الحكم المجعول للموضوعات بالجعل الأوّلي الابتدائي سواء كان المعروض له الأمر النفس الأمري أو هو من حيث تعلَّق العلم أو الظَّن أو الشّكّ به أو ما ينطبق على الظَّنّ والشّك كالخوف مثلا من غير فرق في ذلك بين أخذ بعض الحالات فيه كالحضر والسفر والاختيار والاضطرار ونحوها وعدمه وأمّا الحكم الظَّاهري فهو الحكم المجعول للشيء بالجعل الثّانوي أي من حيث الجهل بحكمه الأولي وإن كان لتردّد موضوعه سواء كان من حيث الظَّن بحكمه الأولي ولو نوعا أو من حيث عدم العلم والشّك فيه أو ما ينطبق عليه في الجملة كاحتمال العقاب والتخيّر وعدم بيان التّكليف فإن كان المأخوذ فيه عدم العلم أو ما ينطبق عليه يسمّى أصلا عمليّا ودليلا فقاهتيّا وإن كان المأخوذ فيه الظَّن يسمّى طريقا ودليلا اجتهاديّا من حيث كونه حاكيا عن الواقع وكاشفا عنه وهذا بخلاف الأوّل فإنّ الحاصل منه مجرّد القطع بالحكم الظَّاهري في مقام العمل بعد العجز عن تحصيل الظَّن المعتبر بالحكم الواقعي فكلّ من الأصل ومفاد دليل اعتبار الأمارة وإن كان حكما ظاهريّا إلا أنّ المأخوذ في أحدهما : الظَّن ولو نوعا والآخر الشّك الَّذي هو عبارة عن خلاف اليقين فللحكم الظَّاهري إطلاقان أحدهما ما كان مجعولا في حقّ غير العالم سواء كان شاكَّا في الحكم أو الموضوع أو ظانّا بأحدهما أو بخلافهما أو بشرط الأوّل خاصّة أو بشرط عدم الأخير من الثاني وهذا يسمّى بالأصل ثانيهما ما كان مجعولا في حقّ الظَّان بأحدهما شخصيّا أو نوعيّا مطلقا أو مقيّدا بعدم قيام الظَّن
الشّخصي على الخلاف فيرجع هذا إلى اعتبار الظَّن المذكور ويسمّى بالدّليل الاجتهادي من غير فرق بين ما دلّ على اعتباره من العقل والنّقل من الكتاب والسّنة والإجماع هذا ومنه يظهر أنّ إطلاق الحكم الظَّاهري على مؤدّى الأمارات إنّما هو بملاحظة دليل اعتبارها وإلَّا فليس حكما أصلا وقد يقال في بيان الفرق بينهما إنّ الأصل ما كان مجعولا في حق الجاهل بمعنى كون الشّك مأخوذا في موضوع دليله فهذا أحد الإطلاقين للحكم الظاهري والآخر ما كان مجعولا في حقّ الجاهل أي في حال الجهل وقد يجتمعان في إطلاق واحد ويقال إنّ الحكم الظَّاهري ما كان مجعولا في حقّ غير العالم سواء كان لا بشرط أو بشرط الظَّن
فتأمّل وقد يقال في تفسير الحكم الواقعي إنّه ما كان مجعولا للموضوعات الواقعيّة من حيث واقعيّتها من غير مدخليّة للعلم والجهل فيها فيتعلَّق به العلم والجهل ويحكي عنه الأمارات والحكم الظَّاهري ما كان مجعولا في حق غير العالم وهذا هو المستفاد من كلام بعض المحققين من المتأخرين ومن بعض كلمات شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره وإن كان المستفاد من سائرها ما ذكرنا وهذا كما ترى لا بدّ من أن يحمل على الغالب وإلَّا فلا بدّ من القول بثبوت الواسطة بين الحكم الظَّاهري والواقعي فإن ما كان العلم والظَّن مأخوذين في موضوعه خارج عنهما كما لا يخفى
ثمّ إنّ لبعض الأفاضل ممّن عاصرناه أو قارب عصرنا كلاما في بيان الحكم الواقعي والظاهري سيأتي التّعرض له ولما فيه بعد هذا
ثمّ إنّ كلَّا من الحكم الواقعي والظَّاهري قد يكون شأنيّا معلَّقا على أقوى الوجهين في الأخير في الجملة وقد يكون فعليّا منجّزا لا بمعنى أنّ الموجود في الخارج من الشّارع والصّادر منه إنشاءان وحكمان أحدهما شأنيّ والآخر فعليّ بل بمعنى أنّ الإنشاء الواحد الصّادر منه قد يتّصف بالشّأنيّة وقد يتّصف بالفعلية باعتبار حكم العقل بقبح المؤاخذة على مخالفته وعدم وجوب إطاعته وحسن المؤاخذة على مخالفته ووجوب إطاعته فالشّأنيّة والفعليّة وصفان واعتباران للحكم المنشأ يعرضانه بملاحظة حكم العقل الناشئ من ملاحظة مرتبة الحكم فقد يكون في مرتبة لا يحكم العقل بوجوب إطاعته كما في موارد أصالة البراءة حيث إنّ العقل مستقلّ بقبح المؤاخذة على الحكم الذي لم يكن هناك طريق للمكلَّف إليه وقد يكون في مرتبة يستقلّ العقل بوجوب إطاعته وعدم معذوريّة من خالفه ولو كان من جهة ترك الفحص فيسمّى فعليّا كما أنّ الأوّل يسمّى شأنيّا فالحكم الفعلي لا واقعيّة له بدون ملاحظة حكم العقل إذا عرفت ما ذكرنا علمت الوجه فيما ذكرنا أوّلا من عدم معقوليّة جعل الظَّن طريقا بالنّسبة إلى الحكم الظَّاهري إذ لا نعني بالحكم الظَّاهري إلَّا ما كان مجعولا للموضوع من حيث تعلَّق الظَّن أو الشّك به فلا واقعيّة له إلَّا بتحقّق الظَّن أو الشّك بالنّسبة إلى الحكم الواقعي
نعم ؛ يمكن جعل طريق ظنّي لهذا الطريق الظنّي ومرجعه أيضا إلى الحكم الظاهري الَّذي يكون الظن بالحكم الظَّاهري مأخوذا في موضوعه الَّذي يتأخّر عن الحكم الواقعي بمرتبتين فالحكم الظَّاهري دائما يكون الشك أو الظَّن مأخوذا في موضوعه ولا يمكن وجوده بدون أحدهما فالظَّن الَّذي هو طريق لحكم الشّارع إلى حكم متعلَّقه يكون موضوعا بالنّسبة إلى الحكم الظَّاهري دائما فيجتمع فيه اعتباران لا محالة
نعم ؛ فيما كان مأخوذا في الموضوع واقعا لا معنى للحكم بكونه طريقا مجعولا إلى متعلَّقه سواء
كان الحكم الواقعي المنوط به نظير حكم متعلَّقه بأن كان لمتعلَّقه مع قطع النّظر عنه حكم فإنّه أمر معقول بالنّسبة إلى الظَّن وإن لم يمكن بالنّسبة إلى القطع
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 12
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٢