تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
مع السّمع وقد اتّفقوا على أنّ الأولى حجّة على من وقف عليها أولا ومن يلقيه إليه بالواسطة من طريق التّواتر ونحوه ممّا يوجب العلم واختلفوا فيما بلغ منها من طريق الآحاد واتّفقوا أيضا على أنّ الثّانية حجّة على من أدركها بعقله إذا كان من ذوي الإدراك لمثلها ومن أهله ما لم يبيّن له خطأه إلى أن قال ثمّ لا ريب أنّ حجيّة ما عبّروا عنه بالخبر والرّواية ونحوهما من أحكامه إنّما هي لكونه حاكيا لما هو الدّليل المقرّر بالأصالة وهو السّنة النّبوية وغيرها وإذا تعلَّق بما ليس بدليل لم يكن من أدلَّة نفس الأحكام وإن كان قد يقبل ويعوّل عليه فيما يتعلَّق بها أو بغيرها لمقاصد أخرى وقد أطبق جميع فرق المسلمين بل وسائر الملَّيّين على أنّه ليس من جملة الأدلَّة ما يختلج في ضمائر آحاد الثّقات أو العلماء ويحكم به عقولهم فإنّه وإن وجب عليهم الاعتقاد به والعمل بمقتضاه كما وجب نحوه أيضا على سائر النّاس فيما أدركته عقولهم إلَّا أنّه ليس حجّة على غيرهم من العلماء بل فائدة مقصورة على أنفسهم وعلى مقلَّديهم حيث وجب تقليدهم عليهم ولقد نادى المصنّفون منهم بذلك في كتبهم وضرورة العقل أيضا تشهد بذلك إذ يستحيل على اللَّه تعالى أن يجعل الأحكام الشّرعيّة المحكمة المنزلة في كتبه المكرمة المبنيّة على الحكم الباهرة والمصالح الخفيّة والظَّاهرة منوطة بعقائد النّاس وأهوائهم مع عدم عصمتهم وشدّة اختلافهم واضطراب آرائهم إلى أن قال بعد جملة كلام له في الاستشهاد لما ذكره إذا تمهّد ذلك فاعلم أنّ الوجه في حجيّة الإجماع المنقول باعتبار المنكشف والتّعويل على النّتيجة المتقدّمة لا يخلو من أمور متقاربة الأوّل : أنّ الإجماع الكاشف من الحجج المنصوبة لمعرفة أحكام الشّريعة له وجود في الخارج ونفس الأمر كالسّنة فكما وجب العمل بالمعلوم منه بالتّحصيل أو التّواتر فكذا بالمظنون منه بنقل الثّقة لاقتضاء انسداد باب العلم وغيره من أدلَّة حجيّة خبر الواحد ذلك كما قرّر في محلَّه وفيه أنّه إنّما يستقيم باعتبار السّنة عندنا في نقل نفس الاتّفاق المأخوذ في صغرى القياس وقد بيّنا جواز الاكتفاء في معرفته بنقل الثّقة مع مراعاة ما مرّ مفصّلا ولا يستقيم في نفس النّتيجة الَّتي هي كالكبرى من الأحكام الذّهنيّة والاعتقادات العقليّة الَّتي يختصّ حجيّتها بمدركها ومقلَّديه إلى أن قال الثّاني : أنّ النّاقل الثّقة ادعى حصول العلم له من الإجماع بطريق الانكشاف رأي الإمام عليه السلام أو غيره ممّا يجب العمل به فيجب التّعويل عليه كما يجب فيما يدعي العلم به بالسّماع أو المشاهدة لأنّ المنشأ أمور محسوسة له حصل منها العلم بما هو حجّة وهو المناط ولا دخل لطريقه ولا يختلف الحكم باختلافه فالمستند تنقيح المناط المشترك بين الأمرين وفساد ذلك ظاهر ممّا بيّناه سابقا مع أن التّعويل على العلم المذكور الَّذي هو المقيس ليس لنصّ إلى أن قال الثّالث : أنّ انسداد باب العلم يقتضي جواز العمل بالظَّن مطلقا فيجوز العمل بالإجماع المنقول لحصول الظَّن من ذلك مع وثاقة النّاقل وخروج بعض الظَّنون بالإجماع لا يقتضي خروجه لمكان الخلاف وفيه أوّلا أنّ الخلاف المعتدّ به هنا إنّما هو باعتبار نقل الكاشف لا المنكشف كما سبق إلى أن قال بعد ذكر أجوبة وخامسا أنّ الحقّ الحقيق بالاتّباع والتّحقيق هو أنّ دليل انسداد باب العلم على ما قرّرناه في محلَّه لا يقتضي إلَّا جواز العمل بالظَّن في طريق الوصول إلى الأدلَّة السّمعيّة المقرّرة واستنباط الأحكام منها فيقوم الظَّن الخاص من نقل الآحاد على وجه السّماع أو المشاهدة كما هو المعهود المتعارف الَّذي عليه جرت عادة النقلة واستقامت الطَّريقة مقام القطع الحاصل من السّماع أو المشاهدة والتّواتر المستند إليهما والعلم بوجوب العمل بخبر الثّقة الإمامي تعبّدا لحكمة لا يجب اطَّرادها ويقوم الظَّن الحاصل من معاني الألفاظ وأمارات الحقيقة والمجاز ووجوه الجمع والتّرجيح وشواهد الجرح والتعديل مقام القطع بها فلا يعبأ بمطلق الظَّن في طريق الوصول كما في قول الرّاوي أظنّ أنّ الإمام عليه السلام قال كذا أو فعل كذا أو أنّ فلانا روى عنه كذا أو نحو ذلك ممّا وقع فيه الالتباس في الأصل من جهة نفس الصّدور أو ما صدر أو من صدر منه وإن حصل الظن للراوي أو لغيره اعتمادا على ظنّه فكيف يوجب العمل بالظَّن بقول مطلق ويجعل طريقا مستقلَّا لمعرفة الأحكام مع أن الأخبار المتواترة التي عليها مدار عمل الشّيعة إلى ظهور الخلف الحجّة عليه السلام صريحة الدّلالة على أنّ المدرك بعد دليل العقل القاطع الَّذي لا يزول ولا يختلف باختلاف الأزمنة والدّهور وبه تعرف الضّرورة والنّظر حجّة كلّ متعوّل وحقيقة كلّ مأثور منحصر في الكتاب الَّذي هو كلام اللَّه اللَّفظي المسموع المعروف والسّنة النّبوية صلى الله عليه وآله والإماميّة الَّتي هي القول المسموع من النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله أو خلفائه وفعلهم وتقريرهم المعلومان بالمشاهدة وما يستفاد منها من الأدلَّة الَّتي وجب العمل بها وإن لم يحصل منها الظَّن بالحكم وتعدّ عند القدماء من الطَّرق العلميّة لذلك ولأمر آخر ليس هذا موضع بيانه وهذا الحصر وقع عن أمر إلهيّ وعلم ضروري بما حدث لدى الشّيعة في زمن حضور من مضى من الأئمّة عليهم السلام وما يحدث في غيبة من بقي منهم عليهم السلام من الخلل والمفاسد في معرفة الأحكام وانسداد باب العلم بأكثرها في أزمنة السّلف فضلا عن الخلف لأمور ليس هنا موضع ذكرها وبيّناها