فإنّه قد طعن على إجماعات ابن إدريس بل على كتابه بما هو معروف ومثل الفاضلين فقد أكثرا من الطَّعن على ابن إدريس في دعوى الإجماع والتّواتر بالتغليظ والتّشحيط وقلَّة التّتبّع والتّحصيل وغيرها ممّا لا يليق ذكره ومثل الشّهيد الثّاني حيث نقل عن ابن إدريس دعوى الإجماع على خبر في حكم الكر وردها بأنّها دعوى خالية من البرهان بل البرهان قائم على خلافها إلى أن قال وإنّما يتم من ضابط ناقد للأحاديث لا من مثل هذا الفاضل انتهى كلامه قدّس سرّه ومثل بعض المحقّقين من المتأخّرين حيث طعن عليه بأنّه قد اضطرب كلامه في أمر الإجماع فمرّة يدّعيه فيما شذّ القائل به ولا يتعرّض للمخالف ومرّة يتعرّض له وهو مثل المفيد أو المرتضى والشّيخ أو غيرهم من الأفاضل ويعتذر بمعلوميّة نسبه أو عدم قصده الفتوى مع أنّه مقتضى كلامه وربما يدّعي إجماع المسلمين فيما ذكر وقد يستند إلى عدم العلم بالمخالف ويحتجّ بالإجماع لذلك ويظهر من كثير من عباراته أنّ عمدة ما يعتمده في نقل الإجماع هو دليل الحكم فإذا وجده بحسب ما أدّى إليه نظره سارع إلى دعوى الإجماع وإن قلّ القائل به أو وجد المخالف لزعمه أنّه قول الإمام عليه السلام ومن المعلوم أنّه لا يجوز الاعتماد على مثل هذا النّقل وربما يدّعي الإجماع على حكم ويحتجّ به ثمّ يقوّي خلافه بلا فصل ويعتذر بأنّا راجعنا أقوال أصحابنا فرأيناها مختلفة مع علمه بالمخالف ونسبه وعدم قدحه في اتّفاق الباقين بزعمه كما اعترف به مرارا فإذا كان هذا حاله فغيره أولى بردّ ما ادّعاه ولو أردنا أن نستقصي موارد دعواه الإجماع والتّواتر ورد من بعده من العلماء وعدم اعتنائهم بها لاحتجنا إلى تأليف رسالة مفردة انتهى كلامه
ومثل المحقّق في أحكام البئر في مسألة ادّعى ابن زهرة الإجماع فيها فإنّه قد طعن عليه بأنّ من المقلَّدة من لو طالبته بدليل ذلك لادّعى الإجماع لوجوده في الكتب الثّلاثة وهو غلط وجهالة إن لم يكن تجاهلا بل الطَّاعن على إجماعاته أكثر من الطَّاعن على إجماعات ابن إدريس ومثل ابن إدريس والفاضلين وغيرهم فإنّهم طعنوا على إجماعات الشّيخ ولا سيّما ما وجد منها في الخلاف فإنّه أكثر فيه دعوى الإجماع فيما شاع فيه الخلاف ولذا لم يعبأ بها من عاصره وكثير ممّن تأخّر عنه وقد جمع ثاني الشّهيدين أربعين مسألة معظمها من الخلاف وذكر أنّه ادّعى الشّيخ فيها الإجماع في كتاب مع أنّ نفسه خالف فيها في موضع آخر منه أو في غيره مع التّصريح يمنع الإجماع أو بدونه وقال أيضا في رسالته في صلاة الجمعة وأمّا ما اتّفق لكثير من الأصحاب خصوصا للمرتضى في الإنتصار والشيخ في الخلاف مع أنّهما إماما الطَّائفة ومقتدياهم من دعوى الإجماع في مسائل كثيرة مع اختصاصهما بذلك القول من بين الأصحاب أو شذوذ الموافق لهما فهو كثير لا يقتضي الحال ذكره ثمّ ذكر تسعا منها وقال إلى غير ذلك من المواضع ومثل ابن طاوس فإنّه قد طعن على إجماعات المرتضى ومثل العلَّامة فإنّه كثيرا ما يطعن على إجماعات المرتضى وغيره من المتقدّمين وقال إنّي لأعجب ممّا صدر منه من المسامحة في دعوى الإجماع الَّذي صنّفه للرّد على المخالفين وما كان ينبغي مثل ذلك لمثله
ومثل العلَّامة المجلسي في كتاب الصّلاة من البحار فإنّه قد طعن على إجماعاتهم بعد ما بيّن معنى الإجماع ووجه حجيّته عند الأصحاب بأنّهم لمّا رجعوا إلى الفروع كأنّهم نسوا ما أسّسوه في الأصول فادّعوا الإجماع في أكثر المسائل سواء ظهر الاختلاف فيها أم لا وافق الرّوايات المنقولة فيها أم لا حتّى إنّ السيّد وأضرابه كثيرا ما يدّعون الإجماع فيما يتفرّدون به أو يوافقهم عليه قليل من أتباعهم وقد يختار هذا المدّعي للإجماع قولا آخر في كتابه الآخر وكثيرا ما يدّعي أحدهم الإجماع على مسألة ويدّعي الآخر الإجماع على خلافه فيغلب على الظَّن أنّ مصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه في الأصول انتهى كلامه رفع مقامه وقال أيضا في مقام الطَّعن على إجماعات القدماء في محكي مرآة العقول مع غاية تبحّره واطَّلاعه على كثير من أصول القدماء وكتبهم بأنّ الإفتاء لم يكن شائعا في زمان الكليني وما قبله بل كان مدارهم على نقل الأخبار وكانت تصانيفهم مقصودة على جمعها وروايتها ولهذا يتعسّر بل يتعذّر الاطَّلاع على الخبر المجمع عليه بينهم بطريق الإفتاء ويتعسّر معرفة المشهور على هذا الوجه أيضا انتهى كلامه رفع مقامه
وقد حكي عن الورع المحقّق وغيره الطعن على إجماعاتهم في جملة من المسائل هذا
وأمّا كلماتهم الدالَّة على عدم اعتنائهم بنقل الإجماع فأكثر من أن تحصى
فمنها ما حكي عن العلَّامة في مسألة الاكتفاء في صوم شهر رمضان بنيّة واحدة لكلّ الشّهر من نقله دعوى الإجماع عليه عن الشّيخ والمرتضى بل عن المفيد كما عن محكيّ المختلف وعزاه العلَّامة نفسه إلى الأصحاب ولم ينقل في المسألة خلافا ومع ذلك أفتى في بعض كتبه بخلافه ومال إليه في آخر لعلَّة عقليّة لا تصادم الإجماع أصلا ورد الإجماع بعدم الثّبوت وقال إنّ ما ذكره أصحابنا في الاحتجاج على الحكم قياس محض لا نقول به لعدم النّص على الفرع وعلى علَّته ونقل أيضا في كفّارة وطي الحائض عن الشّيخ والمرتضى الإجماع على الوجوب وكذا عن ابن زهرة وابن إدريس واختار الاستحباب وردّ الإجماع بأنّا لم نتحقّقه مع أنّه لم ينقل الخلاف إلَّا عن الشيخ في خصوص النّهاية وقد حكي عنه في سائر
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 134
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٣٤