فلا تعلَّق للبحث فيها بما هو المقصود في المقام ؛ فتأمّل
وأمّا قول اللغوي فالبحث فيه إنّما هو من حيث قول اللغوي مع قطع النّظر عن اجتماع شروط الشّهادة فيه من العدد والعدالة وإلَّا فلا كلام في خروجه عن محلّ الكلام على ما استظهره شيخنا الأستاذ العلَّامة قدّس سرّه في الكتاب بناء على ما حكى الإجماع عليه جماعة من الأعلام من اعتبار البيّنة في الموضوعات مطلقا إلَّا فيما قضى الدّليل الخاصّ على اعتبار أزيد من العدلين وفيه الكلام في اعتباره من حيث الخصوص لا ينافي اعتبار إفادته الظَّن الشخصي بالوضع كما في جملة من نظائره كما لا يخفى وإن أوهم كلام بعض المحقّقين ابتناء القول بحجيّته على اعتبار مطلق الظَّن في اللَّغات فيخرج عمّا هو المقصود بالبحث كما أنّه لا ينافي انسداد باب العلم في غالب موارده على تقدير التسليم وملاحظته من غير أن يجعل علَّة لجعله واعتباره كما يكون الأمر كذلك في كثير من الظَّنون الخاصّة كظواهر الألفاظ ونحوها ولذا يحكم باعتبارها مع التّمكن من تحصيل العلم في مورد العمل بها وهذا هو الفرق بين جعل الانسداد حكمة وعلَّة يدور الحكم بالحجيّة مدارها
ثمّ إنّ البحث في اعتبار قول اللَّغوي من حيث الخصوص إنّما هو فيما وقع اللَّفظ موضوعا للأحكام الشّرعية في الكتاب والسّنة وأمّا إذا وقع في خطبة أو رواية غير متعلَّقة ببيان الأحكام ونحوها فيمكن القول بخروجه عن محلّ الكلام كما لا يأباه كلام شيخنا قدّس سرّه في الكتاب ويستفاد من كلام غيره أيضا
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المشهور بينهم اعتباره من حيث الخصوص بل ادّعى عليه الإجماع بل الاتفاق قولا وعملا غير واحد وذهب النّراقي في المناهج إلى القول بعدم اعتباره من حيث الخصوص وهو الَّذي اختاره شيخنا قدّس سرّه في الكتاب قال بعض المحقّقين في تعليقه على المعالم بعد عدّه من المثبتات للأوضاع نقل المتواتر والآحاد وحكمه باعتبار الأوّل ما هذا لفظه ويدلّ على حجيّة الثّاني عموم البلوى باستعلام اللغات مع عدم حصول الغناء عنها مع انسداد طريق القطع في كثير منها فلا مناص عن الأخذ بالظَّن فيها وجريان الطَّريقة من الأوائل والأواخر على الاعتماد على نقل النّقلة والرّجوع إلى الكتب المعتمدة المعدّة لذلك من غير نكير فكان إجماعا من الكلّ والقول بعدم إفادة كلامهم للظَّن لاحتمال ابتنائه على بعض الأصول الفاسدة كالقياس في اللغة أو عدم التّخرج عن الكذب لبعض الأغراض الباطلة مع انتفاء العدالة عنهم في الغالب وفساد مذهب أكثرهم فاسد بشهادة الوجدان والدّواعي عن التخرج عن الكذب قائمة غالبا لولا قيام الدّواعي الإلهيّة
نعم ؛ لو فرض عدم إفادته للظَّن بقيام بعض الشّواهد على خلافه فلا معوّل عليه وربما يناقش في حجيّة الظَّن في المقام لأصالة عدمها وعدم وضوح شمول أدلَّة خبر الواحد لمثله وضعفه ظاهر ممّا عرفت مضافا إلى أنّ حجيّة أخبار الآحاد في الأحكام مع ما فيها من وجوه الاختلال وشدّة الاهتمام في معرفتها يشير إلى حجيّتها في الأوضاع بطريق أولى انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وهو كما ترى مشتمل على التّمسك بانسداد باب العلم باللَّغات وغيره ممّا يقضي بحجيّته من حيث الخصوص والجمع بينهما كما ترى اللَّهم إلَّا أن يكون غرضه إثبات حجيّته بقول مطلق من غير تفصيل بين الوجهين ؛ فتدبّر
وقال أخوه المحقّق في فصوله فيما يتعلَّق بالمقام ما هذا لفظه يعرف كلّ من الحقيقة والمجاز بعلامات ودلائل منها نصّ أهل اللغة عليه مع سلامته من المعارض وممّا يوجب الرّيب في نقله كالتمسّك بما لا دلالة فيه على دعواه مع الاقتصار عليه وكذا الخبير بكلّ اصطلاح إذا أخبر كذلك وهذا ممّا لا يعرف فيه خلاف إلى أن قال بعد بيان حكم التعارض
ثمّ التّعويل على النقل مقصور على الألفاظ الَّتي لا طريق إلى معرفة حقائقها ومجازاتها إلَّا بالنّقل وأمّا ما يمكن معرفة حقيقته ومجازه بالرّجوع إلى العرف وتتبّع موارد استعماله حيث يعلم أو يظنّ عدم النّقل فلا سبيل فيه إلى التعويل فيه على النّقل ومن هذا الباب أكثر مباحث الألفاظ المقرّرة في هذا الفنّ كمباحث الأمر والنهي والعام والخاصّ ولهذا تراهم يستندون في تلك المباحث إلى غير النّقل والسّر في ذلك أنّ التّعويل على النّقل من قبيل التّقليد وهو محظور عند التمكَّن من الاجتهاد ولأنّ الظن الحاصل منه أضعف من الظن الحاصل من غيره كالتّبادر وعدم صحّة السّلب بل الغالب حصول العلم به فالعدول عنه عدول عن أقوى الأمارتين إلى أضعفهما وهو باطل انتهى كلامه رفع مقامه فكأنّه ذهب إلى كون حجيّة قول اللغوي من الظن الخاصّ المقيّد بعدم طريق المعرفة للرّاجع إليه ويحتمل ضعيفا أن يكون مبنى كلامه على كون حجيّته من باب دليل الانسداد والظن المطلق إلَّا أنّ الترجيح المذكور في كلامه لا يجامعه
وقال الفاضل النراقي في المناهج بعد ذكر الاختلاف في حجيّة نقل اللَّغوي واختياره عدم حجيّته مطلقا لا من باب حجيّة مطلق الظن في اللغات ولا من باب حجيّته من حيث الخصوص ما هذا لفظه وثانيهما الإجماع على حجيّة خبر الواحد في اللغات فإنّ المفسّرين والمحدّثين والأصوليّين والفقهاء والأدباء على كثرتهم واختلاف فنونهم لم يزالوا في تعيين المعاني يستندون إلى اللغويين ويراجعون الكتب المدوّنة في هذا الشّأن قد جرت بذلك عادتهم واستمرّت به طريقتهم حتّى أنّهم في مقام التخاصم إذا استند أحدهم إلى نصّ لغوي ألزم به خصمه أو عارضه بما يقابله ولم يقل هذا خبر واحد ويكفيك في ذلك اعتناء
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 112
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١١٢