تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
قول اللَّغوي المفيد للظَّن فملخّصه أنّ صريح غير واحد من المتأخّرين بل بعض المتقدّمين القول بحجيّة مطلق الظَّن في اللَّغات والأوضاع مع القول بعدم حجيّة مطلق الظن في الأحكام وصريح جماعة إنكار الحجيّة على هذا القول على ما عرفت من كونه محلّ البحث والإنكار وهو الأقوى لأصالة عدم الحجيّة لأنّها الأصل في مطلق غير العلم ولا مخرج عنها إلَّا ما تمسّك به القائل بالحجيّة وهو ضعيف كما ستقف عليه بعد إيراده هذا وأمّا التمسّك بالأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك للمختار بتقريب أنّ الوضع المشكوك مسبوق بالعدم فلا ينتقض الأمر العدمي المتيقّن بالشك كما في كلام بعض الأفاضل ممّن تأخّر فهو ضعيف عندنا من حيث إنّ مبنى التّعبّد على ترتيب المحمولات الشّرعيّة للمستصحب بلا واسطة وجعلها في مرحلة الظاهر إذا كان المستصحب من الموضوعات فلا يشمل الموضوعات اللَّغويّة إثباتا ونفيا كما ستقف على تفصيل القول فيه في محلَّه نعم ؛ بعد الحكم بعدم اعتبار الظن في مرحلة الظَّاهر يرجع إلى الأصول بالنّسبة إلى الآثار كما هو الشّأن في جميع ما يحكم بعدم حجيّة الظن القائم عليه موضوعا كان أو حكما شرعيّا هذا وأمّا القائلون بالحجيّة فقد تمسّكوا بوجوه الأوّل : الإجماع على اعتبار الظَّن في اللَّغات ذكره غير واحد من الأصوليّين ويشهد له كون اختلافهم في جملة من الأمور التي اختلفوا في حجّيتها كالتّقسيم وحسن الاستفهام وغيرهما راجعا إلى النّزاع في الصّغرى بل اختيار القائلين بالقياس عدم اعتباره في المقام من حيث عدم حصول الظَّن بالمناط وكون اللَّغات توقيفيّة أوّل شاهد على كون أصل حجيّة الظَّن مسلَّما عندهم ومن هنا اتّفقوا على اعتبار الاستصحاب في الموضوعات اللَّغويّة وحكموا بعد تبادر المعنى في العرف اللَّاحق بكونه معنى أصليّا سابقا للَّفظ من جهة أصالة عدم النقل وتعدد الوضع الراجعة إلى الظن بوحدة المعنى ومن هنا اتّفقوا على أنّ الأصل مع المنكرين للحقيقة الشّرعية وفيه أنّه إن أريد من الإجماع على اعتبار الظَّن في اللغات الإجماع عليه في الجملة فهو مسلَّم لا نزاع فيه أصلا لكنّه لا يجدي الخصم وإن أريد الإجماع عليه مطلقا فهو في حيّز المنع ألا ترى اختلافهم في حجيّة الاستقراء الظَّني والشّهرة ونحوهما ممّا يعدّ في المسألة الثّاني : : أنّ عادة العقلاء جرت على اعتبار الظَّن فيما ينتظم به أمورهم حيث لا طريق إلى العلم لأنّ أرباب العلوم النّقليّة يعتمدون على الأمارات الظَّنية ألا ترى أنّ النحاة واللَّغويّين يعتمدون على استعمالات أهل اللسان نظما ونثرا كأشعار مثل امرئ القيس وأهل المعاني على أمور اعتبارية والأصوليّين على كثرة الاستعمال وغلبته والتّجار على المكاتيب إلى غير ذلك وهذه الطَّريقة ممّا أمضاه الشّارع وإلَّا لنهى عن سلوكها في الشّرعيّات وفيه أنّه لم يعلم معنى محصّل لهذا الاستدلال فإنّه إن كان الغرض منه كون العادة جارية على العمل بالأمارة الظَّنية في الجملة على أنحاء مختلفة متشتّتة فيعملون بالظن بالمراد إذا حصل من اللَّفظ دون الخارج إذا لم يكن مستندا إلى القرينة المعتبرة وهكذا فهذا لا يجدي شيئا إذ لم يذهب أحد من علماء الإسلام إلى إنكار العمل بالظَّن رأسا وإن كان الغرض منه كون العادة من العقلاء والشّارع جارية على الأمارات الظَّنية مطلقا وفي جميع الأمور بأيّ شيء قامت وفي أيّ مسألة كانت فهو مخالف للحسّ والوجدان في العاديّات أو الشّرعيّات ألا ترى إلى نفي الشّارع لاعتبار الظَّن في باب النّجاسة وفي اعتبار البيّنة العادلة وما بمنزلتها في المرافعات إلى غير ذلك وإلى عدم اعتناء العقلاء بمطلق الظَّن في الأمور الخطيرة إذا لم يستند إلى أخبار من يعتمد عليه من أهل الخبرة إلى غير ذلك هذا مضافا إلى أنّ نهي الشّارع من العمل بالأمارة بل مطلق غير العلم في الكتاب والسّنة ممّا شاع وذاع وبلغ كلّ أحد وقرع سمع كلّ جاهل فضلا عن العلماء الثّالث : الإجماع على اعتبار الظن في الموضوعات من كلّ أحد فإنّ المجتهدين ذهبوا إلى العمل بالظن في الأحكام وموضوعاتها والأخباريّين منعوا من العمل عليه في الأحكام ووافقوا المجتهدين في العمل عليه في الموضوعات وفيه أنّه إن أريد ممّا ذكر ذهاب المجتهدين إلى العمل بالظَّن مطلقا في الأحكام والموضوعات واتفاقهم عليه وذهاب الأخباريّين إلى المنع عنه في الأحكام مطلقا وإثبات العمل عليه في الموضوعات كذلك فهو افتراء على الفريقين إذ ما من أحد من العلماء إلَّا أنّه يعمل بالظَّن في الجملة في الأحكام ولو كان ظواهر الألفاظ في الموضوعات ولو كان مثل البيّنة وأصالة الصحة والقرعة ونحوها وترك العمل به في الجملة في الأحكام والموضوعات وإن أريد منه إثبات القضيّة المهملة فقد عرفت أنّه لا يجدي نفعا في إثبات المدّعى الرّابع دليل الانسداد الَّذي تمسّك به غير واحد ممّن ذهب إلى حجيّة الظَّنّ في المقام مطلقا تصريحا وتلويحا بل هو العمدة في كلماتهم في إثبات المطلب وله بيانات في كلماتهم أوضحها أنّه لا ريب ولا إشكال ولا خلاف في أنّ الطَّريق الوافي المتكفّل لبيان أغلب الأحكام بل كلَّها تفصيلا إلَّا ما شذّ وندر غير الضّروريّات الدّينيّة الكتاب والسّنة القوليّة وموضوع الأحكام الشّرعيّة فيهما الألفاظ واللَّغات والدّال على الحكم فيهما أيضا الألفاظ مادّة وهيئة كما أنّه لا ريب في انسداد طريق العلم إلى حقائق الألفاظ ومعانيها الوضعيّة غالبا لانحصاره في تصريح الواضع الَّذي