والأماثل بجمع اللغة وتدوينها وضبطها حتّى صنّفوا فيها كتبا مشهورة وما ذلك إلَّا ليكون مرجعا للعلماء والغرض الأصلي شرح القرآن والحديث على ما صرّحوا به في مفتتح كتبهم وبيانهم لفضيلة علم اللغة وكلّ ذلك إنّما يتأتّى على حجيّة خبر الواحد في اللَّغة فيكون حجّة وإلَّا لزم بطلان هذا العلم إعياء المدوّنين فيه مع أنّ تدوينه قد حصل في المائة الثّانية في زمان الصّادقين عليه السلام وشاع في الثّالثة ولم ينقل من أحد من الأئمّة عليهم السلام إنكاره انتهى كلامه رفع مقامه
وممّن ادّعى الإجماع على ذلك علم الهدى قدّس سرّه على ما حكاه في الكتاب بل مقتضى ما حكي عنه اتّفاق المسلمين عليه وبالغ في ذلك الفاضل السّبزواري حيث ادّعى اتّفاق العقلاء عليه في كلّ عصر وزمان هذا والَّذي يقتضيه الأصول عدم اعتبار قول اللَّغوي من حيث الخصوص بالمعنى الَّذي عرفته والمناقشة في جريان أصالة عدم حجيّة الظن في المقام كما ترى وليس للقائل بحجيّة إلَّا عموم ما دلّ على حجيّة خبر الواحد بل فحواه بالتّقريب الَّذي عرفته في كلام بعضهم والإجماع المدّعى عليه بالتّقريبات المختلفة التي عرفتها أمّا الأوّل فهو مبنيّ على ثبوت عموم لما دلّ على حجيّة خبر الواحد بحيث يشمل المقام وهو ممنوع كما ستقف على تفصيل القول فيه وعلى تقدير العموم فلا شبهة في لزوم تخصيصه بمقتضى منطوق آية النّبأ بغير الفاسق ولم يلتزم القائل به بهذا التّخصيص وإلَّا فيلزم عليه القول بعدم اعتبار أقوال المعروفين من اللغويين هذا مع إمكان أن يقال إنّ أخبارهم راجع إلى الاجتهاد والخبر الحدسي وستقف أنّه ليس هنا ما يقتضي بحجيّة الخبر الحدسي الغير الرّاجع إلى الحسّ على تقدير العموم اللَّهمّ إلا أن يقال إنّ أخبارهم يرجع إلى الحسّ من حيث إنّهم يستنبطون المعنى الموضوع له من استعمال أهل اللَّغة واللَّسان مجرّدا عن القرينة بل من اطَّراد الاستعمال المذكور وكثرته وهو من لوازم الوضع وآثاره الغير المنفكَّة عنه والأمر وإن كان كذلك في الجملة إلَّا أنّه ليس دائميّا كما لا يخفى والمائز غير موجود ؛ فتدبّر
هذا كلَّه مع أنّ شأن اللغوي وديدنه على ذكر المستعمل فيه والمعنى أعمّ من أن يكون موضوعا له وليس غرضه متعلَّقا ببيان خصوص الوضع والمميّز غير موجود غالبا وأمّا التمسّك بالفحوى فهو كما ترى غاية الأمر وجود مجرّد الأولويّة الاعتبارية على تقدير التسليم مع أنّها غير مسلَّمة لأنّ المعتبر في قياس الأولويّة إحراز المناط ظنّا وأولوية وجوده وآكديّته في الفرع وهما في حيّز المنع مع أنّ المعتبر في الأصل عند الأكثر أمور لا يعتبرونها في الفرع وفي الفرع عند القائل به الظَّن الشخصي في موارده وهو غير معتبر عند الأكثر في الأصل
فتدبّر وأمّا الثّاني فهو في الجملة مسلَّم إلَّا أنّه على إطلاقه بحيث ينفع الخصم ممنوع توضيح ذلك أنّ الرّجوع إليهم قد يكون من جهة حصول العلم بالمستعمل فيه من قولهم من جهة القرائن أو إرسالهم له إرسال المسلَّمات كما هو الغالب وقد يكون من جهة عدم الاهتمام بشأن المطلب كما إذا أريد تفسير خطبة أو رواية غير متعلَّقة بالأحكام وأمّا الرّجوع إلى واحد منهم بقول مطلق في الأحكام ولو مع حصول الظن فليس اتفاقيّا ودعواه في حيّز المنع كدعوى الإجماع القولي على ذلك هذا مع أنّ عدم العلم بعنوان الرّجوع إليهم يكفي في الحكم بالمنع والرّجوع إلى أصالة عدم الحجيّة وليس على النّافي إثبات العنوان كما لا يخفى ومنه يظهر النّظر فيما أفاده الفاضل السبزواري فإنّ الرّجوع إلى أهل الخبرة في الجملة مع عدم العلم بالجملة لا يجدي شيئا ودعوى أنّ الرجوع إليهم من حيث إنّهم أهل الخبرة من غير اعتبار أمر آخر كما ترى كيف وظاهرهم الاتفاق على اعتبار العدالة فيمن يرجع إليه في الرّجال بل بعضهم اعتبر التّعدد وبعضهم بنى اعتبار التّعدد على كون التّعديل شهادة أو رواية بل ظاهرهم الاتّفاق على اعتبار التعدّد مضافا إلى اعتبار العدالة في
مسألة التّقويم وأشباهها فكيف يدّعى مع ذلك أنّ عنوان المرجع نفس كونهم أهل الخبرة
ولقد أفاد الفاضل النّراقي قدّس سرّه في ردّ الإجماع المدّعى في المقام بقوله وفيه منع الإجماع وما استدلّ به عليه من استناد العلماء واعتنائهم إلى جمع اللَّغات وبيان المعاني في الكتب لا يثبته فإنّ استناد العلماء بمجرّد قول واحد من دون قرينة ممنوعة ولو سلَّم فاستنادهم بحيث يثبت الإجماع غير ثابت ولو سلَّم ففي مقام التكليف غير مسلَّم مضافا إلى أنّ قول الخصم بمجرّد الاستناد إلى قول واحد غير معلوم وأمّا الاعتناء إلى الجمع والتّأليف فهو لم يقع إلَّا من بعض علماء العامّة ولم يتعرّض من أصحابنا له إلَّا أقلّ قليل وعدم إنكار الباقين لا يفيد تخصيص فائدته بالأخبار والكتاب بل يفيد في الإشعار والتّواريخ والمثل والمحاورات الَّتي لا بأس بالعمل بالظن فيها وكم جمع من كتاب غير مفيد لم ينكر على صاحبه مع أنّ الغرض قد لا يكون العمل بالظن في التّكليفات ككتب لغات الفرس إلى آخر ما ذكره
ونعم ما أفاد من أنّ الغرض من ثبت الكتب قد يكون مطلبا آخر غير العمل بمجرّد التثبت إذ قد يكون الغرض ترتّب وضوح المطلب ولو بعد الاعتضاد أو انضمام القرائن هذا مع أنّ كون غرض صاحب الكتاب ذلك لا يوجب بمجرّده لزوم العمل بكتابه وترتيب التّكاليف والأحكام الشّرعيّة عليه هذا بعض الكلام في المقام الأوّل
وأمّا الكلام في المقام الثّاني
وهو حجيّة مطلق الظَّن الشّخصي واعتباره في اللَّغات والأوضاع بقول مطلق فيدخل فيه
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 113
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١١٣