من كون الاستعمال دليلا في الجملة بالاتفاق عند الدّوران على إرادة المعنى الحقيقي ومثله الكلام في الحمل على إرادة المعنى المجازي عند اقتران اللَّفظ بالقرينة العامة الصّارفة والمعيّنة وقد عرفت الكلام في ذلك كلَّه والخلاف عمّن خالف فيه في ظواهر الكتاب أو مطلق الظَّواهر بالنسبة إلى غير المخاطب بالكلام أو غير المقصود بالتّفهيم منه
إنّما المقصود بالبحث في المقام هو أنّ الأصل المذكور هل يناط بنفس وضع اللَّفظ من غير اعتبار كشف وظنّ في ذلك ولو نوعا فيكون المناط على التعبّد كما ربما يوهمه كلام من أدرج الأصل المذكور في الاستصحاب وجعله من أقسامه مع قوله باعتباره من باب التعبّد المطلق أو المقيّد أو يناط بالكشف والظَّهور النّوعي الغير المنفكّ عن الوضع مطلقا ولو قام هناك ما يوجب الظَّن الشّخصي بالخلاف بشرط عدم اعتباره كما يظهر من غير واحد أو بشرط عدم قيام الظَّن الشخصي على الخلاف مطلقا أو بشرط حصوله من أمارة لم يقم دليل قطعيّ على عدم اعتباره بالخصوص كما نسب إلى بعض أو يناط بحصول الظَّن الشّخصي من نفس اللَّفظ فلا يصحّ البناء عليه بعد انتفاء المظنّة بالمراد إذا استند إلى ما لم يقم دليل على عدم اعتباره بالخصوص كالقياس وشبهه كما اختاره بعض أفاضل المتأخّرين أو مطلقا كما اختاره سيّد مشايخنا في محكيّ المناهل أو إذا استند إلى وجود حجّة شرعيّة في المسألة على ما حكاه الأستاذ العلامة قدّس سرّه وبعض المحقّقين عن بعض أفاضل المتأخّرين كما لا يصحّ البناء عليه إذا حصل الظَّن الشّخصي بالمراد من غير جهة نفس اللفظ كفهم الرّاوي أو مذهبه أو استناد المشهور أو فهم الأكثر إلى غير ذلك أو يناط بحصول الظن الشّخصي بالمراد مطلقا ولو حصل بمعونة الأمور الخارجيّة كما في الأمثلة المذكورة كما عليه بعض المتأخّرين أو يناط بالظَّهور العرفي من اللَّفظ بحيث يحمل عليه عند العرف من جهة دلالته عندهم وحكايته عنه في أنظارهم ولا يعتبر فيه الظَّن بالمراد مطلقا مع فرض حكاية اللفظ وظهوره كما أنّه لا يضرّه مع الفرض المزبور قيام الظَّن الغير المعتبر بأيّ وجه كان على الخلاف كما أنّه لا يكفي مجرّد الكشف النّوعي بالنّظر إلى نفس الوضع فهو برزخ بين جميع المراتب فقد يوجد مع الظَّن الشّخصي
بالخلاف وقد لا يوجد مع الشّك في المراد بل مع بعض مراتب الظَّن مع تأمّل فيه وضابطه أنّ احتمال إرادة خلاف الظَّاهر إن كان مستندا إلى ما احتفّ اللَّفظ والكلام به من حال أو مقال يصلح أن يكون قرينة قد اعتمد عليه المتكلَّم في إرادة خلاف الظَّاهر فلا يحمل عليه وإن لم يحصل الظن بإرادة خلاف الظَّاهر من حيث إجمال اللفظ في الفرض وعدم ظهوره عند العرف وحكايته عن المعنى ومن هنا توقّف المشهور في بعض مراتب المجاز المشهور والعام المتعقّب بضمير يرجع إلى بعض أفراده والجمل المتعقّبة بالاستثناء إلى غير ذلك من حيث عدم ظهور اللَّفظ وإلَّا لم يقم هناك دليل تعبّدي من الشّارع يقضي بوجوب التّوقف عليهم مع ظهور اللَّفظ في المعنى وإن كان مستندا إلى أمر خارج عن الكلام غير مقترن به فيحمل عليه وإن حصل منه الظن بإرادة خلاف الظاهر من حيث وجود المناط المزبور وظهور اللَّفظ في المراد عند العرف وحكايته عنه وإن كان هذا الأمر المنفصل ممّا قام الدّليل على اعتباره ووجوب تصديقه من حيث السّند مع إجمال دلالته كما إذا ورد في السّنة المتواترة مثلا عام وورد فيها أيضا دليل مجمل مردّد بحسب الدّلالة بين فرد من العام وغيره مثل أكرم العلماء ولا تكرم زيدا مع اشتراك زيد بين عالم وجاهل فإنّه لا إشكال في عدم سراية الإجمال من الدّليل المنفصل إلى بيان العام
نعم ؛ هنا كلام في عكس ذلك وسراية بيان العام إلى إجمال الدّليل المنفصل ورفع إجماله والحكم في المثال بأنّ المراد من قوله لا تكرم زيدا زيد الجاهل وإلَّا لزم التخصيص في العموم من غير دليل على التخصيص كما استقربه شيخنا قدس سره في الكتاب لا تعلَّق له بالمقصود بالبحث في المقام وجوه بل أقوال أقربها عند جمع من المحقّقين بل الأكثر وعند شيخنا قدّس اللَّه أسرارهم الأخير ولمّا كان المرجع في المقام بناء أهل اللَّسان والعرف وليس ممّا يرجع فيه إلى التعبّد من الشّارع على ما عرفت مرارا فكلّ فريق وقائل يستند إلى بناء أهل اللَّسان والعرف في إثبات ما اختاره من الطَّريقة والمسلك ولا شبهة في كون بنائهم على ما عرفته أخيرا بل قد عرفت أنّه ممّا اختاره الأكثر باعتقادنا بل المشهور وأمّا ما يتراءى من التّأمل في الأخذ بالخبر المخالف للمشهور أو طرحه ولو كان صحيحا في كلماتهم فليس من جهة مصادمة الشّهرة لدلالة الخبر بل من جهة مصادمتها لسنده وصدوره من حيث عدم دليل عندهم على وجوب تصديق الخبر المخالف للمشهور من جهة أنّ العمدة في المسألة الإجماع قولا وعملا وليس منعقدا على الخبر المخالف لفتوى المشهور وهذا معنى الوهن بالشّهرة وإن هو إلَّا مثل جبر ضعف الخبر بالشّهرة فإنّ مرادهم من ذلك جبر ضعفه من حيث السّند لا جبر ضعفه من حيث الدّلالة كما لا يخفى وأمّا التمسّك في المقام بأخبار الاستصحاب كما عن بعض فسيجئ في محلَّه وضوح ضعفه
قوله قدس سره : وهذا وإن لم يرجع إلى الاستصحاب المصطلح إلخ
أقول : ما أفاده من عدم رجوع الأصل المذكور إلى الاستصحاب إلَّا بالتّوجيه أمر واضح لا سترة فيه أصلا ضرورة أنّ ثبوت الحكم المستفاد من العموم لما يشك في تخصيص العام بالنّسبة إليه مشكوك من أوّل الأمر فليس هنا متيقن سابق بالنّسبة إلى الحكم حتّى يتصوّر فيه الاستصحاب الَّذي هو بمعنى الحكم ببقاء ما كان كما أنّ العموم بمعنى الظَّهور أمر وجدانيّ لا واقعي يتوهّم جريان الاستصحاب فيه فلا مناص
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 109
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٠٩