فقد جوّز إنفاد الحكم فيها كلّ من قال به فأمّا إذا انتفى حضورهما ولكن حكى لهما الحاكم الأوّل صورة الواقعة وصورة الحكم وعين لهما المتخاصمين وأشهدهما على حكمه ففي جواز إنفاد الحكم حينئذ تردد منشأه من أنّ حكم الحاكم الثاني قول بما لا يعلم وهو منهي عنه لقوله تعالى : « أتَقُولُونَ عَلَى الله ما لا تَعْلَمُونَ » وبغيره من الآيات والروايات فيقتصر فيما خالفه على موضع الوفاق وما يوجب تمام الاحتياط وهو الصورة الأولى ومن أنّه كلَّما كان حكم الحاكم ماضيا كان اخباره به ماضيا لكن المقدّم حقّ فالتالي مثله وحقّية المقدم واضحة والملازمة ظاهرة لأنّ غاية الحضور سماعهما الحكم إذ لا اعتبار بما إذا وقع في المجلس غيره من الدعوى وشهادة الشاهدين وتعديلهما ما لم يحصل الحكم وهو عبارة عن الإخبار بثبوت الحقّ من أهله بلفظ حكمت ونحوه وصورة النزاع اخبار بذلك فلا ترجيح لأحدهما على الآخر ولأنّ الأدلَّة السابقة الدالَّة على تسويغ هذا الإنفاد آتية في هذه الصورة فكان القول بالقبول أقوى كما عليه الأكثر .
والتقييد بأشهدهما على الحكم احتراز عمّا لو قال لهما ثبت عندي ونحوه فإنّه لا يقبل قطعا وإنّما الكلام على تقدير إخباره بالحكم والمراد بقضاء القاضي الثاني بما حكم به الأوّل إنفاده لحكمه وإمضاؤه له بحيث لا تسمع الدعوى ثانيا وتنقطع المنازعة ويبقى الحكم على حاله وإنّما لم يعلم حقيقته لا إنّه يحكم بصحّته كما يحكم به الأوّل لعدم حصول العلم له بما يوجب الحكم ولجواز مخالفته لاجتهاده فيه فلا يمكنه الحكم بصحّته أمّا لو أخبر حاكما آخر بأنّه ثبت عنده كذا لم يحكم به الثاني لأنّ الأدلَّة المجوّزة لقبول إنفاد الحكم موردها الضرورة إلى ذلك في البلاد البعيدة عن الحاكم
الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع — صفحة 149
مساهمون: الشيخ حسين آل عصفور
ص١٤٩