تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البليغ في المعاني والبيان والبديع — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
استعار لفظ " أسد " لرجل شجاع ثمّ ذكر للمستعار له وصف " شاكِ السِّلاح " وللمستعار منه وصفَ " له لِبَدٌ أظفاره لم تقلّم " . وصف الأوّل تجريد والثّاني ترشيح . و " التّرشيح " أبلغ من " الإطلاق والتّجريد " لاشتماله على تحقيق المبالغة وتناسي التّشبيه وادّعاء أنَّ المستعار له نفس المستعار منه لا شيء شبيه به ، كما في قوله : وَيَصْعَدَ حَتّى يَظُنُّ الجَهُولُ * بِأنّ لَهُ حاجةً فِي السّماءِ استعار لفظ " الصّعود " لِعلوّ القدر والارتقاء في مدارج الكمال ، ثُمّ بنى عليه ما يُبنى على علوّ المكان والارتقاء إلى السّماء من ظنّ الجهول بأنّ له حاجة في السّماء ، وهذا الوصف ترشيح . وفي لفظ " الجهول " زيادة مبالغة في المدح لما فيه من الإشارة إلى أنَّ هذا إنّما يظنّه الجهول ، وأمّا العاقل فيعرف أنّه لا حاجة له في السّماء لاتّصافه بسائر الكمالات ، وكقوله : لا تَعْجَبُوا مِنْ بِلى ( 1 ) غِلالَتِهِ ( 2 ) * قَدْ زُرّ ( 3 ) أزرارُهُ ( 4 ) عَلَى القَمَرِ ادّعى أنّ محبوبه ذات القمر لا شبيهٌ به ، واستدلّ لادّعائه بأنّ غلالته الّتي من جنس الكتّان قد بلى كما يبلى الثّوب الكتّان المقابل لشعاع القمر . فقوله " لا تعجبوا من بِلى غلالته " ترشيح ويدلّ على تناسي التّشبيه . وكقوله : قامت تُظَلِّلُني وَمِنْ عَجَب * شَمْسٌ تُظَلِّلُني مِنَ الشَّمْسِ ادّعى أنّ محبوبته الّتي قامت هي الشّمس لا كالشّمس ، ثمَّ ترتَّبَ عليه تعجّبه من تظليل شمس من الشّمس ، وهذا يدلّ على تناسي التشبيه .
هامش
( 1 ) أي الاندراس . ( 2 ) ثوب رقيق يُلبس تحت الثّياب . ( 3 ) أي شُدَّ . ( 4 ) ما يربط به الثّوب ، وبالفارسي يقال له " دكمه " .