حنك الدابة بحبلها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به ، والظاهر أن المعنى الأخير هو الأصل في الباب ، والاحتناك الإلجام .
والمعنى : قال إبليس بعد ما عصى وأخذه الغضب الإلهي رب أرأيت هذا الذي فضلته بأمري بسجدته ورجمي بمعصيته اقسم لئن أخرتني إلى يوم القيامة وهو مدة مكث بني آدم في الأرض لألجمن ذريته الا قليلا منهم وهم المخلصون .
قوله تعالى :
قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً
قيل : الأمر بالذهاب ليس على حقيقته وإنما هو كناية عن تخليته ونفسه كما تقول لمن يخالفك : افعل ما تريد ، وقيل : الأمر على حقيقته وهو تعبير آخر لقوله في موضع آخر :
فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *
والموفور المكمل فالجزاء الموفور الجزاء الذي يوفى كله ولا يدخر منه شيء ، ومعنى الآية واضح .
قوله تعالى :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ
إلى آخر الآية ؛ الاستفزاز الازعاج والاستنهاض بخفة وإسراع ، والإجلاب كما في المجمع السوق بجلبة من السائق والجلبة شدة الصوت ، وفي المفردات : أصل الجلب سوق الشيء يقال : جلبت جلبا قال الشاعر : « وقد يجلب الشيء البعيد الجواب » وأجلبت عليه صحت عليه بقهر ، قال اللّه عزّ وجل :
« وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ »
انتهى .
والخيل - على ما قيل - الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه ويطلق على الفرسان مجازا ، والرجل بالفتح فالكسر هو الراجل كحذر وحاذر وكمل وكامل وهو خلاف الراكب ، وظاهر مقابلته بالخيل أن يكون المراد به الرجالة وهم غير الفرسان من الجيش .
فقوله :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ
أي استنهض للمعصية من استطعت أن تستنهضه من ذرية آدم - وهم الذين يتولونه منهم ويتبعونه كما ذكره في سورة الحجر - بصوتك ، وكأن الاستفزاز بالصوت كناية عن استخفافهم بالوسوسة الباطلة من غير